tag -->

تونس: دراسة أجرتها جمعية «إنترسكشن» توثق التعرض للضغوط المنهجية التي يتعرض لها المجتمع المدني

من مايو 2024 إلى مايو 2026، أصبح القمع الموجه ضد الجمعيات سياسة دولة. هذا هو الاستنتاج الرئيسي للتقرير الذي نشرته جمعية «إنترسيكشن» للحقوق والحريات في يوليو 2026، بعنوان «المجتمع المدني في مواجهة القمع. تقرير عن الانتهاكات المرتكبة ضد الجمعيات من مايو 2024 حتى نهاية مايو 2026». https://www.intersection.uno/

يُعد هذا التقرير، الذي جاء ثمرة عامين من التحقيقات، إحدى أكثر الدراسات شمولاً التي أُجريت حتى الآن حول التدمير التدريجي للفضاء المدني في تونس منذ تركيز السلطات في يد الرئيس قيس سعيد.

هجوم منهجي على المجتمع المدني

يصف التقرير تحولاً جذرياً في سياسة السلطات التونسية. فلم يعد الأمر يقتصر على أعمال مضايقة منفردة، بل أصبح استراتيجية شاملة تهدف إلى شل حركة المنظمات المستقلة عبر الوسائل القضائية والإدارية والمالية والأمنية.

ووفقاً للمؤلفين، فإن السلطات أصبحت الآن تعتبر العديد من الجمعيات جهات مشبوهة، متهمةً إياها بخدمة مصالح أجنبية أو المشاركة في «مؤامرات» ضد الدولة. وقد تُرجمت هذه الخطابة الرسمية إلى تكاثر الدعاوى القضائية وحملات التشهير وعمليات التفتيش وتجميد الأنشطة والقيود الإدارية.

88 حالة انتهاك موثقة

تسجل الدراسة 88 حالة انتهاك بين مايو 2024 ومايو 2026:

  • 47 حالة تستهدف بشكل مباشر الجمعيات والمنظمات؛
  • 41 دعوى قضائية ضد مسؤولين أو موظفين أو نشطاء جمعيات؛
  • 7 أشخاص حُكم عليهم بالفعل في المحكمة الابتدائية؛
  • و34 أخرى يخضعن لمحاكمات في قضايا قضائية مختلفة.

وغالبًا ما تكون التهم الموجهة متشابهة: غسل الأموال، والتآمر، والتجمع الإجرامي، والجرائم المالية، أو المساس بأمن الدولة. ويشدد التقرير على أن هذه التهم الجنائية تندرج في إطار خطاب رسمي يقوم على الشك وتجريم النشاط الجمعياتي.

قمع متعدد الأشكال

يُظهر تقرير «إنترسكشن» أن الضغوط التي تمارس ضد الجمعيات تتجاوز الإطار القضائي إلى حد كبير.

ومن بين الممارسات الموثقة ما يلي:

  • عمليات مداهمة الشرطة وعمليات التفتيش في مقرات الجمعيات؛
  • الاستجوابات المتكررة للمسؤولين؛
  • تمديد فترة الاحتجاز؛
  • الإيقافات الإدارية؛
  • العوائق المصرفية والمالية؛
  • القيود التي تحول دون سير الأنشطة بشكل طبيعي؛
  • حملات التشويه في وسائل الإعلام المقربة من السلطة.

ووفقاً للتقرير، فإن الهدف هو فرض العقوبات من جهة، واستنزاف المنظمات من جهة أخرى، والتقليل تدريجياً من قدرتها على العمل.

أصبحت جميع القطاعات مستهدفة الآن

تتمثل إحدى المساهمات الرئيسية لهذه الدراسة في إظهار أن القمع أصبح الآن يشمل عملياً النسيج الجمعياتي برمته.

يخصص التقرير فصولاً محددة للمنظمات العاملة في المجالات التالية:

  • الدفاع عن المهاجرين واللاجئين؛
  • حقوق المرأة؛
  • مكافحة التمييز؛
  • مراقبة الانتخابات؛
  • حرية الصحافة؛
  • الحقوق الاقتصادية والاجتماعية؛
  • حماية البيئة؛
  • حقوق الإنسان بشكل عام.

ومن بين المنظمات المذكورة، على وجه الخصوص، «منمتي»، والمجلس التونسي للاجئين، و«آي ووتش»، و«مراقبون»، و«الرابطة التونسية للدفاع عن الحريات»، و«الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان»، و«المنظمة العالمية لمناهضة التعذيب»، و«محامون بلا حدود»، و«نوات»، و«الخط»، و«الاتحاد التونسي للدفاع عن حقوق الإنسان »، بالإضافة إلى العديد من المنظمات الوطنية أو الإقليمية الأخرى.

انحراف عن المكاسب التي تحققت في عام 2011

كما يتناول التقرير تطور الإطار القانوني التونسي.

بعد الثورة، أتاح المرسوم بقانون رقم 88 لعام 2011 ظهور مشهد جمعياتي ديناميكي بشكل خاص، يُعتبر أحد المكاسب الرئيسية للانتقال الديمقراطي.

هذه الديناميكية أصبحت اليوم موضع تساؤل. منذ 25 يوليو 2021، تسعى السلطة تدريجيًا إلى إعادة إخضاع المجتمع المدني للسيطرة السياسية، في خطوة تمثل خرقًا للضمانات التي أُقرت بعد الثورة.

الآثار المترتبة على السكان

يُشدد التقرير على جانب غالبًا ما يُهمل: فالقمع لا يقتصر على الجمعيات فحسب، بل يمتد أيضًا ليشمل آلاف الأشخاص الذين يستفيدون من أنشطتها.

وعندما تتوقف أنشطة المنظمات المتخصصة في تقديم المساعدة القانونية، أو الدفاع عن حقوق المهاجرين، أو حماية النساء ضحايا العنف، أو مراقبة الانتخابات، أو تقديم الخدمات الاجتماعية، أو تتعطل هذه الأنشطة، فإن الفئات الأكثر ضعفاً هي التي تفقد بدورها دعماً أساسياً.

التوصيات الموجهة إلى السلطات التونسية والمجتمع الدولي

تدعو منظمة «إنترسيكشن» السلطات التونسية إلى:

  • إنهاء الإجراءات القضائية ضد نشطاء المجتمع المدني؛
  • احترام حرية تكوين الجمعيات؛
  • الإفراج عن الأشخاص المحتجزين بسبب نشاطهم في الجمعيات؛
  • التوقف عن استخدام الحبس الاحتياطي كأداة للضغط.

كما تدعو المنظمة المجتمع الدولي إلى تعزيز دعمه للمجتمع المدني التونسي وممارسة ضغوط أكبر من أجل وقف الانتهاكات الموثقة. وأخيرًا، تدعو المنظمة المنظمات التونسية إلى تعزيز آليات التنسيق والتضامن في مواجهة الهجمات التي تتعرض لها.

وثيقة مرجعية

وثيقة مرجعية

إلى جانب سرد الحالات الفردية، تشكل هذه الدراسة تحليلاً متعمقاً لتطور العلاقات بين السلطة والمجتمع المدني التونسي. وهي تسلط الضوء على الانتقال من منطق الرقابة العرضية إلى سياسة منهجية تهدف إلى إضعاف المساحات المستقلة للمشاركة المدنية.

نظراً لحجم البيانات التي تم جمعها، وتنوع المنظمات المعنية، ودقة الوثائق، يُعد هذا التقرير مرجعاً أساسياً لفهم تطور الفضاء المدني التونسي منذ عام 2024 والتحديات التي يواجهها اليوم المدافعون عن حقوق الإنسان والجمعيات وجميع الفاعلين المستقلين في المجتمع المدني.

شارك هذه المقالة:

مقالات ذات صلة

العودة إلى الأعلى