موجة تجتاح الكوكب، تحملها وجوه شبابية وهواتف ذكية مرفوعة وصرخات ممزوجة بضحكات.
في المغرب ومدغشقر وبيرو ونيبال، نفس الشباب الذين يخرجون إلى الشوارع: جيل Z، الذين ولدوا في العصر الرقمي، والذين ولدوا في العصر الرقمي، والذين يشعرون بخيبة الأمل من السياسة وحالة الطوارئ المناخية.
في تونس، تجسّد هذا الغضب في قابس. مدينة خانقة، مريضة بالمصانع الكيميائية التي أصبحت رمزًا لبلد يختنق بين الوعود التي لم تتحقق وانعدام الأمن المزمن.
عندما ينزل آلاف الشباب للمطالبة بالحق في التنفس، فإن الأمر لا يتعلق فقط بمطلب بيئي: إنها صرخة وجودية ونداء من أجل الكرامة.
في مواجهة هذا الجيل المترابط، يستجيب من هم في السلطة بالشك، وأحيانًا بالاحتقار. ولكن من خلال محاولة السخرية منه، فقد أعطته الرؤية التي كان ينتظرها: حركة لا تحتاج إلى أن تكون منظمة لكي تكون موجودة.
حركة بدون علم، ولكن مع رموز
لغته هي لغة الصور والإيقاع والفيروسية. لغته هي لغة الصور والإيقاع والفيروسية. وهو يعتمد على الرموز الثقافية العالمية - المانجا والموسيقى الحضرية والميمات ومقاطع الفيديو - كعلامات على هويته الجماعية.
هذا المزيج من الخفة والجدية، والسخرية والوضوح، يمنح هذا الجيل قوة غير مسبوقة: قوة الرفض المبهج.
علمها ليس سياسيًا، بل هو رسم كاريكاتوري.
شعارها ليس برنامجًا، بل عاطفة مشتركة.
ومع ذلك، هناك وعي سياسي حاد وراء هذا التلقائية الظاهرية: وعي سياسي حاد: عالم لم يعد يلبي احتياجاتهم الأساسية - التوظيف، والصحة، والعدالة، والبيئة، والحرية.
جيل بلا أوهام ولكن ليس بلا قناعات
لقد نشأ هؤلاء الشباب في ظل فوضى العالم وعدم استقرار البلاد.
لقد رأوا وعود 2011 تتبخر، والمؤسسات تنهار، والحريات تتقلص. لم يعودوا يؤمنون بالمنقذين، بل بالتضامن الأفقي.
التزامهم ليس أيديولوجياً، بل هو التزام حيوي.
إنهم لا يريدون السلطة، بل يريدون أن تكون مسؤولة.
إنهم متصلون ومعزولون على حد سواء، صافون ومتعبون. ولكن قبل كل شيء، يرفضون قبول استقالة من هم أكبر منهم سناً.
إن أسلوبهم في العمل هو انعكاس لعصرهم: مجزأ، سريع الزوال، ولكنه معدي. يمكن أن تكون تغريدة أو مقطع فيديو أو مسيرة أو صورة فيروسية كافية لإثارة موجة من السخط.
هؤلاء الشباب "السائلون"، إذا استخدمنا استعارة عالم الاجتماع زيجمونت باومان، لم يعودوا يسمحون لأنفسهم بأن يتم احتواؤهم داخل الأشكال القديمة للسياسة.
إنهم يقتحمون: حيث لا يتوقعون ذلك، بوسائل لم يعد القدامى يفهمونها.
شركة ضد الزمن
فالفجوة بين هؤلاء الشباب وبين من هم في السلطة سحيقة.
فالخطاب الرسمي المشبع بالأخلاق والإشارات البالية لم يعد يخاطب الشباب الذين نشأوا على لغة العواطف والحرية.
بينما يتذرع القادة بالولاء والوطنية والطاعة، يتحدثون عن التنفس والإبداع والمساواة.
هذه الفجوة ليست ثقافية فحسب، بل هي مؤسسية: لا تزال تونس تتعامل مع شبابها كتهديد، وليس كمورد.
لا تزال الأنظمة العامة تتسم بانعدام الثقة والعمودية.
ونتيجة لذلك، تخسر الدولة معركة المعنى. وجيل Z، الذي يفتقر إلى أي مساحة للتعبير، يتجه إلى الشوارع وشبكة الإنترنت كآخر حدود للحرية.
ما يقوله هؤلاء الشباب
وخلف الشعارات والهاشتاغات، يرسل جيل Z ثلاث رسائل واضحة:
- الحق في الحياة: تنفس الهواء النقي، والحصول على الرعاية الصحية، والعيش دون خوف. هذه مطالب أساسية غير قابلة للتفاوض.
- العدالة الاجتماعية والإقليمية: السخط على النظام الذي يركز الثروة ويتخلى عن المناطق الداخلية للبلاد.
- حرية التعبير والاعتراف: أن تكون مسموعًا لا مراقبًا؛ أن تشارك لا أن تكون مشتبهًا بها.
تكشف هذه الصرخة الثلاثية - الصحة والعدالة والحرية - عن فشل نموذج سياسي واقتصادي غير قادر على إدماج الشباب كلاعبين كاملين.
الاستماع، والمشاركة في البناء، والتواصل
لا ينتظر الجيل Z التونسي أن يتم تدريبه. إنهم يريدون أن يؤخذوا على محمل الجد.
وللاستجابة لهذا التغيير العميق، يظهر عدد من السبل الملموسة:
1 - إعادة بناء منتديات الحوار
إنشاء منتديات مختلطة للمواطنين، تجمع بين الشباب والباحثين والجهات الفاعلة المحلية وصناع القرار العام. وينبغي أن تكون هذه المنتديات وجهاً لوجه وعبر الإنترنت، لتعكس الطرق التي يعبر بها هذا الجيل عن نفسه.
2 - دعم الالتزام الاجتماعي والبيئي
إنشاء صندوق وطني لمبادرات المواطنين لدعم المشاريع الصغيرة البيئية والثقافية والرقمية التي يديرها الشباب، مع إعطاء الأولوية للمناطق المهمشة.
3- إعادة ابتكار التربية المدنية
تقديم التعليم في مجال المواطنة الرقمية والمواطنة النقدية: تعلم فك شفرة الخطاب، واستخدام الشبكات كأدوات للمشاركة بدلاً من التلاعب، وممارسة حرية التعبير بمسؤولية.
4. جعل أطر المشاركة أكثر مرونة
تكييف آليات الاستشارة العامة مع الثقافة الرقمية: استطلاعات الرأي التشاركية، والمنصات التداولية، والتصويت عبر الإنترنت، ومسابقات هاكاثون المواطنين. يجب إشراك الشباب في السياسات المحلية، وليس فقط بشكل رمزي.
5. إلغاء تجريم الكلام
إلغاء أو مراجعة التشريعات القمعية، لا سيما القوانين المستخدمة ضد مستخدمي الإنترنت. لقد خلق المرسوم بقانون رقم 54 بشأن الاتصالات الرقمية خوفًا يقتل النقاش العام. ديمقراطية بلا صوت شبابي هي ديمقراطية بلا مستقبل.
6- استعادة الثقة
يجب على المؤسسات أن تتعلم التحدث بلغة مختلفة: لغة الشفافية والاحترام والإثبات.
الشباب لا ينتظرون الخطابات بل ينتظرون الأفعال - إنفاذ حكم قضائي، أو إطلاق سراح شخص بريء، أو حماية مُبلغ عن المخالفات، أو إغلاق مصنع سام.
الرهان على المستقبل
فتونس الغد لن تُبنى لا ضد شبابها ولا بدونه.
هذا الجيل لا يحلم بالعودة إلى الماضي، بل يحلم ببلد لا تكون الحرية فيه ذكرى ولا العدالة امتيازاً.
لا يسعى إلى تقليد الغرب أو إحياء ماضٍ مثالي: إنه يريد أن يبتكر نموذجه الخاص.
للشيوخ ندوبهم، وللجيل زد إيمانه.
إنه ليس إيمانًا ساذجًا: إنه إيمان أولئك الذين رأوا كل شيء، وفهموا كل شيء، ومع ذلك يرفضون الاستسلام.
لم يعودوا يطلبون الإذن بالوجود، بل هم موجودون بالفعل.
وفي ضحكاتهم وغضبهم وشاشاتهم، ربما يمكننا أن نقرأ وجه بلد يسعى أيضًا إلى أن يولد من جديد.