في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2025، في الجزائر العاصمة، أشرف الجنرال سعيد شنقريحة، رئيس أركان الجيش الجزائري، على توقيع اتفاقية تعاون عسكري وأمني بين الجزائر وتونس. وتنقل الوفد التونسي بقيادة وزير الدفاع خالد الشلي إلى العاصمة الجزائرية في سرية تامة.
ولم يعقب ذلك أي اتصال رسمي. كانت الصحافة الجزائرية هي التي كشفت عن هذه المعلومات، مؤكدة ما استشعره العديد من المراقبين: نقطة تحول استراتيجي في العلاقات بين الجزائر وتونس.
تحالف صامت
لم تعلق قرطاج ولا وزارة الدفاع التونسية على التوقيع على الاتفاقية. ولم يُنشر النص في الجريدة الرسمية ولم يُعرض على البرلمان. ويتناقض هذا الصمت غير المعتاد مع حجم المضمون المفترض للاتفاقية.
وفقًا للمعلومات التي تم الكشف عنها في الصحافة، تتضمن الخطة :
- تبادل دائم للمعلومات العسكرية والاستخباراتية
- الدوريات والمناورات المشتركة في المناطق الحدودية;
- المراقبة المتكاملة للحدود لمكافحة التهريب والهجرة غير الشرعية;
- التدريب المتبادل للضباط من كلا الجيشين ;
- والأهم من ذلك كله، حق المطاردة المحدود، الذي يسمح للوحدات الجزائرية بالتوغل حتى 50 كيلومترًا داخل الأراضي التونسية خلال العمليات المشتركة ضد الجماعات الإرهابية.
والأكثر إثارة للقلق هو وجود بند حصري يحظر على تونس إبرام اتفاقيات أمنية مع شركاء آخرين دون موافقة مسبقة من الجزائر.
إذا كانت هذه الأحكام صحيحة، فإنها تمثل خرقاً غير مسبوق في عقيدة السيادة التونسية.
سياق تفجيري
لم يتم هذا التوقيع من فراغ. فمنذ عام 2022، تعمل تونس والجزائر على توثيق العلاقات بين البلدين، على خلفية عدم الاستقرار الإقليمي وعزلة تونس المتزايدة.
في الوقت الذي تم فيه توقيع الاتفاقية، كانت المنطقة تهتز بسبب هجمات الطائرات بدون طيار على أسطول صمود في سيدي بوسعيد، وحرب الإبادة الجماعية في غزة والغارات الإسرائيلية في لبنان واليمن.
الرئيس الجزائري المنزعج مما وصفه ب ـ"الاستهداف العسكري للجزائر" يكثف تحالفاته الدفاعية.
من جانبه، يبحث قايد سعيد الذي أضعفته الأزمة الاقتصادية التي وصلت إلى طريق مسدود وحرمته من الدعم الخارجي القوي بعد وقف المساعدات الأمريكية إلى النصف، عن شريك إقليمي قادر على دعمه دون شروط سياسية.
لذلك يبدو أن الجزائر هي الملاذ الأخير: مورد للطاقة والمال والشرعية. ولكن هذا الاعتماد له ثمن.
ما وراء كواليس التقارب غير المتكافئ
بالنسبة للجزائر، فإن المصلحة واضحة:
- تعزيز المنطقة العازلة على حدودها الشرقية,
- ضمان وجود عملياتي في جنوب تونس,
- وتجاوز النفوذ الأوروبي والأمريكي في المغرب الأوسط.
كما يمنحها الاتفاق أيضًا إمكانية الوصول إلى البنية التحتية التونسية - الموانئ في الجنوب، وطرق الطاقة، وشبكات المراقبة - ويعزز مكانتها كقوة حارسة إقليمية، خاصة بعد زعزعة الاستقرار في الساحل وانسحاب فرنسا.
وبالنسبة لتونس، فإن الأساس المنطقي هو دفاعي في المقام الأول: ضمان مظلة أمنية في مواجهة هشاشة مؤسساتها وخطر عدم الاستقرار في المناطق الحدودية. لكن وراء هذا السعي للحماية يكمن شكل من أشكال الإخضاع الاستراتيجي.
الجزائر هي التي تحدد الإيقاع وتحدد الأولويات وتفرض الشروط. وقد أصبحت تونس مخفرًا أماميًا فعليًا للدفاع الجزائري.
انجراف مقلق: الأمن مقابل الديمقراطية
وبعيدًا عن الحسابات الجيوسياسية، يثير هذا التعاون غير الشفاف تساؤلات مؤسسية وديمقراطية كبيرة.
إن غياب النشر الرسمي، ورفض أي نقاش برلماني وصمت الرئاسة يعكس نقصًا خطيرًا في الشرعية.
هذا النوع من الاتفاقيات، التي تؤثر بشكل مباشر على السيادة والأمن الوطنيين، لا يمكن أن يتم البت فيها في سرية المقر.
إن التاريخ الحديث يذكّرنا بأن عسكرة الشأن العام وتركيز السلطة في يد السلطة التنفيذية يزيدان من إضعاف الدولة التي أضعفتها الأزمة الاقتصادية وسخط مواطنيها.
هناك أيضًا خطر الانجراف السلطوي: نقل المعلومات عن الناشطين، وزيادة مراقبة المنظمات غير الحكومية، وتوسيع مجال مكافحة الإرهاب ليشمل الاحتجاج الاجتماعي.
تونس في المعسكر الجزائري؟
ويعكس هذا التحالف أيضاً إعادة تموضع جيوسياسي عميق.
يبدو أن قيس سعيد قد قطع مع السياسة التقليدية لتونس ليعيد التركيز على محور إقليمي مغلق، تهيمن عليه الجزائر، وفي الخلفية تقارب خفي مع طهران.
المغرب العربي منقسم الآن:
- فمن ناحية، محور الجزائر-تونس-طهران القائم على السيادة والعداء لحلف الناتو;
- ومن ناحية أخرى، فإن الرباط والقاهرة وطرابلس الغرب، بما لها من علاقات مع القوى الغربية.
ويعزز هذا الاستقطاب عزلة تونس التي يُنظر إليها الآن على أنها منحازة للمعسكر الجزائري، ويزيد من إضعاف علاقاتها مع أوروبا، وخاصة إيطاليا، التي يمكن أن تكون اتفاقات الهجرة التي أبرمتها مع الجزائر موضع تساؤل.
السيادة والأمن والحقوق: مثلث هشّ: السيادة والأمن والحقوق
سيكون من الوهم إنكار الحاجة إلى التعاون الأمني الإقليمي. لكن مثل هذه الشراكة يجب أن تقوم على التوازن والشفافية والمعاملة بالمثل.
إذا تأكد أن تونس منحت جارتها حق التدخل العملياتي وحقوق الدفاع الحصرية، فإن سيادتها العسكرية ليست وحدها على المحك، بل أيضا استقلال مصيرها السياسي.
فالأمن ليس حجة لمحو الديمقراطية.
والسيادة لا يمكن اختزالها في بقاء سلطة ضعيفة: إنها ملك للشعب بأكمله، وليس لمن يتفاوضون عليها في الخفاء.
إذا كان الأمر يتعلق بتعاون تقليدي، فلننشره.
إذا كان الأمر يتعلق بالتزام استثنائي، فلنناقشه.
الصمت لا يحمي الأمن القومي - بل يقوض ثقة الجمهور.
في منطقة تزداد فيها حدود الشرعية والسيادة ضبابية يومًا بعد يوم، لا يمكن لتونس أن تكون أرضًا تحت الوصاية.
الأمن لا يُبنى في الظل: إنه يقوم على الثقة والشفافية والكرامة الوطنية.