مقدمة
في مايو/أيار 2024، ألقي القبض على مصطفى الجمالي، وهو ناشط إنساني تونسي ورئيس المجلس التونسي للاجئين في تونس، ووجهت إليه تهم تتعلق بالمساعدة، ولا سيما توفير المأوى للمهاجرين من جنوب الصحراء الكبرى. يرمز اعتقاله، في سياق من القمع المتزايد ضد المدافعين عن حقوق الإنسان، إلى التجريم المنهجي للتضامن في تونس منذ الانجراف الاستبدادي الذي بدأه الرئيس قيس سعيد.
الالتزام بحقوق الإنسان
مصطفى الجمالي محامٍ بالتدريب، وهو خريج جامعة السوربون في باريس. كرّس أكثر من عقدين من حياته المهنية لحماية اللاجئين داخل الأمم المتحدة. وقد عمل مسؤولاً دولياً لدى المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين لمدة 24 عاماً، وشغل عدداً من المناصب ذات المسؤولية في جميع أنحاء العالم، قبل أن يصبح مديراً لمكتب آسيا الوسطى وجنوب غرب آسيا والشرق الأوسط وشمال أفريقيا حتى عام 2004. وكان أيضا مستشارا خاصا لمفوض الأمم المتحدة السامي لشؤون اللاجئين.
بعد مغادرته الأمم المتحدة، واصل التزامه كممثل إقليمي للمغرب العربي للمركز الدولي لتطوير سياسات الهجرة (ICMPD). وفي عام 2016، أسس المجلس التونسي للاجئين، الذي يرأسه منذ ذلك الحين، ومهمته ضمان الحماية والكرامة والحقوق للمنفيين في تونس.
... الآن جريمة جنائية ...
يُعرف مصطفى الجمالي بعمله نيابة عن الأشخاص المنفيين، لا سيما اللاجئين وطالبي اللجوء الذين تُركوا على هامش المجتمع التونسي. وقد وفرت منظمته غير الحكومية الدعم الحيوي، بما في ذلك الإيواء والمساعدة القانونية والحصول على الرعاية الصحية والدعم النفسي. كانت هذه المهمة الإنسانية بالتحديد هي التي أدت في 3 مايو/أيار 2024 إلى وضعه رهن الاحتجاز بأمر من النيابة العامة بتهمة "تشكيل مؤامرة لتسهيل دخول المهاجرين إلى تونس بطريقة غير شرعية".
وفقًا للسلطات التونسية، فإن الاعتقال كان مرتبطًا بنشر الجمعية دعوة لتقديم عطاءات لاستئجار نزل لطالبي اللجوء. هذه الذريعة، التي تثبت أن عمل الجمعية كان قانونيًا وشفافًا (إداريًا)، تخفي بشكل سيء (في الواقع) الرغبة الواضحة في إسكات صوت مزعج في بلد يتم فيه استيعاب الدفاع عن المهاجرين كشكل من أشكال التخريب السياسي.
... في سياق القمع المنهجي
منذ عام 2021، وبشكل خاص منذ الخطاب المعادي للأجانب الذي ألقاه الرئيس قيس سعيد في فبراير/شباط 2023، دخلت تونس مرحلة من القمع المنهجي ضد المهاجرين من جنوب الصحراء الكبرى وأولئك الذين يأتون لمساعدتهم. وقد تضاعفت المداهمات وعمليات الطرد الجماعي إلى الصحراء الليبية والاعتداءات العنصرية وعنف الشرطة، مما أدى إلى وضع إنساني كارثي أدانته الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والعديد من المنظمات غير الحكومية الدولية.
ولكن بدلاً من الاستجابة لهذه التحذيرات، صعدت السلطات التونسية من قمعها. فقد تم اعتقال شخصيات من المجتمع المدني مثل سعدية مصباح وعبد الله سعيد ومصطفى الجمالي وشريفة الرياحي. وأُجبرت بعض الجمعيات على الإغلاق.
ازدواجية الخطاب الرسمي لأغراض دبلوماسية
بالتوازي مع سياسة الترهيب هذه، تواصل الدولة التونسية التباهي في تقاريرها إلى الهيئات الدولية بالتزامها بحقوق الإنسان وتعاونها مع المجتمع المدني. ففي بلاغ رسمي موجه إلى الأمم المتحدة (HRC/NONE/2025/SP/3)، تدعي السلطات أن مصطفى الجمالي استفاد من جميع الضمانات القانونية وأن اعتقاله استند إلى وقائع ثابتة حسب الأصول. إن هذا الخط الدفاعي، وهو دفاع شكلي بحت، يخفي السياق السياسي للقمع وأهداف ثني النشطاء.
الصمت المتواطئ للاتحاد الأوروبي
ويغذي مناخ القمع هذا الدعم غير المشروط من الاتحاد الأوروبي الذي دفع لتونس أكثر من 150 مليون يورو بموجب اتفاقيات الهجرة. إلا أن تقريراً دامغاً بعنوان " الاتجار بالدولة" أظهر أن هذه الأموال استخدمت لتمويل تجارب "مطاردة المهاجرين" وعمليات الترحيل الجماعي إلى ليبيا، وحتى بيع المهاجرين إلى الميليشيات الليبية. في هذا النظام، يُنظر إلى المنظمات غير الحكومية على أنها تقف في الطريق.
الخلاصة: التضامن على المحك
لا ينبغي أن يكون مصطفى الجمالي في السجن. يجب حمايته ودعمه والاعتراف بالتزامه. إن سجنه ليس حادثًا قضائيًا، بل هو تعبير عن استراتيجية سياسية للإرهاب تهدف إلى نزع سلاح التضامن.
وقد رفض قاضي التحقيق مرارًا وتكرارًا الإفراج المؤقت عنه، على الرغم من كبر سنه (أكثر من 80 عامًا)، وحالته الصحية (مرض مزمن) التي تتطلب علاجًا طبيًا مناسبًا لا تستطيع إدارة السجن توفيره، وحقيقة أنه لا يشكل أي خطر على المجتمع.
ونظرًا لعدم وجود أدلة واقعية ضده، فإننا نعتقد أنه يتعرض للقمع بسبب عمله الإنساني ومسيرته المهنية في الأمم المتحدة، مما يجعله هدفًا رئيسيًا لنظام يفتخر بمضايقة نشطاء حقوق الإنسان.
ولا شيء غير المعاملة اللاإنسانية يمكن أن يفسر حرمان السيد جمالي من حريته، في حين أن تقرير الخبير وملف القضية ككل يشهدان على أنه لا يمكن أن يُنسب إليه أي جرم بشكل معقول. ومن ناحية أخرى، يتم حرمانه من الأدوية والعلاج المناسب لحالته الصحية التي تتدهور نتيجة للتعذيب النفسي الذي يتعرض له. فعلى سبيل المثال، حُرم من النظارات الطبية لمنعه من القراءة.
ويصر قاضي التحقيق المسؤول عن القضية على رفض أي طلب للإفراج المؤقت عنه ولا يتردد في تهديده بتصريحات معادية للأجانب وعنصرية، كما حدث في 25 مارس 2025، من أجل زيادة عذابه المعنوي.
إن تأجيل جلسة المواجهة إلى 7 أبريل/نيسان 2025، دون إبداء أي أسباب، هو مظهر آخر من مظاهر هذا التعنت غير المسبوق ضد نشطاء حقوق الإنسان.
لقد حان الوقت لكي يطالب المجتمع الدولي بالإفراج عنه، وتعليق المساعدات التي تغذي القمع، والاعتراف بأن ما هو على المحك في تونس ليس مجرد مسألة حقوق أجانب، بل هو نضال عالمي من أجل الكرامة الإنسانية.