تُظهر التطورات السياسية الأخيرة في المغرب العربي مدى بقاء قضية حقوق الإنسان في صميم الانقسامات التي تعاني منها المنطقة اليوم. وراء المسارات الوطنية المختلفة، تعاني العديد من بلدان المغرب العربي من التوتر نفسه بين التطلعات الديمقراطية الشعبية وإعادة تشكيل السلطات بشكل استبدادي. وتضفي هذه الحقيقة أهمية خاصة على المبادرات التي تقودها منظمات الدفاع عن حقوق الإنسان التي تحاول، على الرغم من الحدود والانقسامات السياسية، بناء فضاء مشترك للتضامن والمقاومة.
وانطلاقاً من هذا المنطلق، نُظمت في 2 مايو 2026 في بورصة العمل بباريس الدورة الثالثة لـ«5 ساعات من أجل الحريات وحقوق الإنسان في المغرب العربي»، تكريماً لمحمد حربي. وقد سعت هذه الفعالية، التي جمعت جمعيات ومجموعات ومنظمات من المغرب العربي والشتات، إلى تأكيد وجود "مغرب للشعوب" قائم على مبادئ الكرامة والحرية والعدالة والمساواة. وقد سمح هذا اللقاء بشكل خاص بتسليط الضوء على واقع مشترك بين العديد من بلدان المنطقة: تقييد الحريات العامة، واستغلال القضاء، وقمع المعارضة السياسية، وإضعاف وسائل الإعلام المستقلة، والتراجع التدريجي للمجتمعات المدنية.
الجزائر: من «الحراك» الشعبي إلى عودة الإغلاق السياسي
تُعد الجزائر اليوم أحد أبرز الأمثلة على هذا التطور. ومع ذلك، كان «الحراك» الذي اندلع عام 2019 قد فتح آفاقاً تاريخية. فعلى مدى عدة أشهر، احتل ملايين الجزائريين والجزائريات الأماكن العامة سلمياً للمطالبة بإنهاء نظام سياسي قائم على مصادرة السلطة والهيمنة المستمرة للمؤسسة العسكرية. وقد أثار هذا الحراك أملاً كبيراً في جميع أنحاء المغرب العربي، حيث قدم صورة لمobilisation مواطنة قادرة على فرض تغيير ديمقراطي عميق.
لكن هذا الأمل اصطدم تدريجياً بقدرة النظام على استيعاب الاحتجاج ثم تحييده. فقد حالت عدم وجود هيكل سياسي للحركة، ورفض أي تمثيل ثابت، والريبة تجاه الأحزاب التقليدية، دون تحويل الحراك الشعبي إلى مشروع حقيقي للانتقال المؤسسي. وبالتدريج، استعاد النظام زمام المبادرة من خلال الجمع بين الرقابة الأمنية والإشراف الإداري والقمع القضائي.
ويُجسِّد تشديد الإطار التشريعي المتعلق بالجمعيات ووسائل الإعلام والناشطين هذا الانغلاق التدريجي للفضاء العام. وتنظر السلطات الآن بعين الريبة إلى أي حركة مستقلة، لا سيما عندما تربطها صلات بشبكات دولية للدفاع عن حقوق الإنسان. ويستند الخطاب الأمني بانتظام إلى الأزمات الإقليمية — ليبيا ومالي وسوريا — لتصوير أي انفتاح سياسي على أنه خطر يهدد الاستقرار.
ويأتي هذا المنطق القائم على الرقابة في سياق أزمة اجتماعية عميقة تتسم بتدهور القوة الشرائية، والبطالة، والتفاوتات، والشعور بانعدام الآفاق المستقبلية. وأصبح جزء كبير من الشباب يتأرجح الآن بين الانسحاب من الحياة السياسية، والمنفى، وخيبة الأمل. ولم يعد المناخ السائد هو مناخ الحماس الذي ساد خلال «الحراك»، بل أصبح مناخاً يسوده إرهاق اجتماعي عام.
تونس: استنفاد التجربة الديمقراطية في مرحلة ما بعد الثورة
تسير تونس في مسار مختلف، لكنه يؤدي هو الآخر إلى التشكيك التدريجي في المكاسب الديمقراطية. فقد أتاح ثورة عام 2011 حدوث قطيعة مؤسسية كبرى وأدت إلى ظهور التجربة الديمقراطية الأكثر تقدماً في العالم العربي. وشكلت حرية التعبير والتعددية السياسية وديناميكية المجتمع المدني مكاسب تاريخية.
ومع ذلك، فقد تآكلت هذه المرحلة الانتقالية تدريجياً تحت وطأة الأزمات الاقتصادية والانقسامات الحزبية وفقدان الثقة في النخب السياسية. وقد انتهى الأمر بجزء متزايد من السكان إلى ربط الديمقراطية بالجمود المؤسسي وعجز الحكومات المتعاقبة عن تلبية التوقعات الاجتماعية. وفي هذا السياق، اكتسب تركيز السلطات التنفيذية وإضعاف القوى المضادة شرعية معينة باسم استعادة النظام والكفاءة السياسية.
ليبيا: تفكك الدولة وأزمة حقوق الإنسان المستمرة
أما الوضع الليبي فيُجسِّد العواقب المتطرفة لانهيار الدولة وغياب انتقال ديمقراطي مستقر. فمنذ عام 2011، لا تزال ليبيا تعاني من الانقسامات السياسية والصراعات المسلحة والتفكك الإقليمي. وتتخذ انتهاكات حقوق الإنسان هناك أشكالاً خطيرة بشكل خاص: الاعتقالات التعسفية، والعنف ضد المدنيين، والإعدامات بإجراءات موجزة، وتطور شبكات الاتجار بالبشر التي تستهدف بشكل خاص المهاجرين من جنوب الصحراء الكبرى. وهكذا أصبحت ليبيا، في الخطاب الرسمي للعديد من الدول المجاورة، رمزاً للفوضى التي قد تنجم عن أي مساس عنيف بالنظام السياسي. ومع ذلك، وبعيداً عن هذه القراءة الأمنية، تكشف التجربة الليبية بشكل أساسي عن الآثار المدمرة لغياب مؤسسات ديمقراطية راسخة، وإضعاف الدولة، والتدخلات الجيوسياسية الإقليمية والدولية.
المغرب: بين الاستقرار المؤسسي والاحتجاجات الاجتماعية وجيل Z
يتميز المغرب بواقع مختلف، لكنه يشهد توترات مماثلة بين الاستقرار السياسي والمطالبات الديمقراطية. فقد عبرت التحركات الاجتماعية التي ظهرت في السنوات الأخيرة، ولا سيما في منطقة الريف، عن توقعات عميقة في مجالات العدالة الاجتماعية والتنمية الإقليمية والحريات العامة. وقد أظهرت استجابة السلطات، التي اتسمت بالمحاكمات والأحكام القاسية وتشديد الرقابة على الفضاء العام، حدود الانفتاح السياسي في المغرب. وعلى الرغم من وجود مؤسسات تعددية ومشهد إعلامي متنوع نسبياً على المستوى الإقليمي، فإن منظمات الدفاع عن حقوق الإنسان تدين بانتظام القيود المفروضة على الصحفيين والناشطين والحركات الاجتماعية المستقلة.
يشهد المغرب أيضًا منذ عدة سنوات ظهور جيل جديد من الحراك الاحتجاجي يقوده جزء من الشباب الحضري والمتصل بالإنترنت، والذي يُطلق عليه غالبًا اسم «الجيل Z». ويُعد هذا الجيل، الذي يتمتع بحضور قوي على شبكات التواصل الاجتماعي، صوتًا معبرًا عن أشكال جديدة من التعبئة حول الحريات الفردية، والتفاوتات الاجتماعية، والعدالة الإقليمية، والعنف الشرطي، فضلاً عن تكاليف المعيشة. وعلى عكس الأشكال التقليدية للنضال الحزبي أو النقابي، تعتمد هذه التحركات بشكل أكبر على الحملات الرقمية، والتعبيرات الثقافية، والتحركات العفوية، وأشكال المشاركة الأقل تنظيماً.
غالبًا ما تنظر السلطات إلى هذه الشريحة من الشباب المتصل بالإنترنت على أنها مصدر محتمل للاضطراب الاجتماعي والسياسي. وقد أظهرت العديد من عمليات اعتقال صانعي المحتوى الشباب والناشطين الرقميين ومستخدمي الإنترنت المنتقدين الرغبة في السيطرة على هذه المساحات الجديدة للتعبير. وهكذا أصبحت شبكات التواصل الاجتماعي ساحة رئيسية للمواجهة بين التطلعات المتزايدة لحرية التعبير وسياسات المراقبة وتقييد الفضاء العام الرقمي.
كما تكشف ظاهرة جيل Z عن تحول أعمق في المجتمعات المغاربية. فجزء كبير من هذه الشريحة الشبابية لم يعد يرى نفسه في الأطر السياسية التقليدية، ولا في الخطابات الرسمية حول الاستقرار والتنمية. بل أصبح يعبر بشكل أكبر عن مطالب تتعلق بالكرامة الفردية، والحريات الشخصية، والمساواة الاجتماعية، والآفاق الاقتصادية. ويسهم هذا التطور في تجديد أشكال الاحتجاج في المغرب العربي، مع تفاقم التوترات بين المجتمعات المدنية الناشئة والسلطات السياسية القائمة.
كما تشكل مسألة التطبيع مع إسرائيل عاملاً مهماً في التوترات السياسية والمجتمعية في المغرب العربي. فالاتفاقات التي أبرمتها بعض دول المنطقة في السنوات الأخيرة قد أثارت انقساماً عميقاً في الرأي العام، حيث لا تزال التضامن مع القضية الفلسطينية قوياً تاريخياً. وبالنسبة لجزء كبير من الفاعلين الديمقراطيين ومنظمات الدفاع عن حقوق الإنسان، لا يمثل هذا التطبيع مجرد خيار دبلوماسي أو جيوستراتيجي فحسب؛ بل يرافقه أيضاً تشديد في الإجراءات الأمنية وتقليص لمساحات التعبير عن المعارضة.
في المغرب، أدى استئناف العلاقات رسمياً مع إسرائيل إلى تجدد التوترات بين السلطات والعديد من الفاعلين السياسيين والنقابيين والجمعيات الذين يواصلون تأكيد دعمهم للشعب الفلسطيني. وأصبحت التحركات التضامنية مع غزة وفلسطين منابر للتعبير أيضاً عن المطالب المتعلقة بالحريات العامة والسيادة السياسية ورفض القيود المفروضة على التعبير المدني. وفي الجزائر وتونس، حيث تحافظ السلطات رسمياً على موقف معادٍ للتطبيع، تظل القضية الفلسطينية محركاً قوياً للتعبئة في المجتمعات المدنية، وغالباً ما تشكل نقطة التقاء بين مختلف التيارات الديمقراطية والشعبية.
ومع ذلك، فإن العديد من الأنظمة في المنطقة تستغل هذه القضية لتعزيز منطق الاستقطاب السياسي أو لتحويل الأنظار عن الأزمات الداخلية. بين الدعم الشعبي لفلسطين، والتنافسات الجيوسياسية الإقليمية، واستراتيجيات إضفاء الشرعية على السلطات، تسلط قضية التطبيع الضوء على التناقضات العميقة التي تعاني منها منطقة المغرب العربي اليوم. كما تظهر مدى ارتباط القضايا الديمقراطية والحريات العامة والقضايا الدولية ارتباطًا وثيقًا بالتعبئة الشعبية في بلدان المغرب العربي.
موريتانيا: العبودية والتمييز والنضال من أجل المساواة في الحقوق المدنية
تحتل موريتانيا أيضًا مكانة مهمة في النقاشات الدائرة حول حقوق الإنسان في المغرب العربي. وعلى الرغم من بعض التطورات المؤسسية، لا يزال البلد يواجه تفاوتات اجتماعية عميقة وانتهاكات مستمرة للحقوق الأساسية. ولا تزال مسألة الرق وتراثه تؤثر بشكل كبير على المجتمع الموريتاني. وعلى الرغم من إلغاء الرق رسمياً وتجريمه بموجب القانون، إلا أنه لا يزال موجوداً بأشكال مختلفة، وهو أمر تدينه منذ سنوات منظمات الدفاع عن حقوق الإنسان والحركات المناهضة للرق. ولا تزال مجتمعات الحراطين تتأثر بشكل خاص بالتمييز الاجتماعي والاقتصادي والسياسي الموروث عن هذا النظام التاريخي.
يواجه النشطاء المنخرطون في النضال ضد العبودية والتمييز العنصري والتفاوتات الاجتماعية ضغوطاً قضائية وقيوداً إدارية ومحاولات تهميش سياسي بشكل منتظم. كما تدين المنظمات الموريتانية الانتهاكات التي تتعرض لها الحريات العامة، فضلاً عن الصعوبات التي تواجهها الحركات المدنية المستقلة في ممارسة أنشطتها في بيئة حرة وآمنة.
كما أن قضية الهجرة تزيد من حدة التوترات في البلاد. فقد أصبحت موريتانيا نقطة عبور استراتيجية في السياسات الأمنية الأوروبية المتعلقة بمراقبة تدفقات المهاجرين الأفارقة إلى أوروبا. ويؤدي هذا الوضع إلى تفاقم الضغوط الأمنية وزيادة هشاشة أوضاع المهاجرين، فضلاً عن الجهات الفاعلة في المجتمع المدني التي تقدم لهم المساعدة.
وفي هذا السياق، تظل المطالب بتحقيق المزيد من العدالة الاجتماعية والمساواة بين المواطنين والحريات الديمقراطية في صميم تحركات المجتمع المدني الموريتاني، الذي يسعى إلى إدراج نضالاته في إطار ديناميكية أوسع نطاقاً للتضامن المغاربي والأفريقي.
نحو مغرب يحترم حقوق الإنسان: التضامن الديمقراطي والمقاومة المدنية
في الجزائر كما في تونس، وفي المغرب كما في ليبيا أو موريتانيا، تدفع المجتمعات المدنية اليوم ثمن هذا الانغلاق السياسي الإقليمي. تعمل الجمعيات والصحفيون والمحامون والنقابيون والمدافعون عن حقوق الإنسان في بيئة تتسم بعدم اليقين والضغوط القضائية والتقييد المتزايد لمساحات التعبير. وتعمل العديد من المنظمات الآن وفق منطق البقاء على قيد الحياة أكثر من منطق التحول الاجتماعي أو السياسي.
إن المبادرات عبر-المغاربية تكتسب أهميتها الكاملة في مواجهة هذا التفتت الذي تعاني منه المساحات الديمقراطية. وقد شددت المناقشات التي نُظمت خلال يوم «5 ساعات من أجل الحريات وحقوق الإنسان في المغرب العربي» على ضرورة بناء تضامنات ملموسة بين النضالات الديمقراطية في المنطقة. وتستند فكرة «المغرب لحقوق الإنسان» إلى قناعة بسيطة: إن النضالات من أجل حرية التعبير، واستقلال القضاء، وحقوق المرأة، وكرامة المهاجرين، أو الإفراج عن معتقلي الرأي لا يمكن حصرها في أطر وطنية بحتة.
تتعارض هذه الرؤية مع منطق الانغلاق الذي يهيمن اليوم على العلاقات بين دول المغرب العربي. ففي الوقت الذي تتصلب فيه الحدود السياسية وتعيق فيه الخصومات الإقليمية أي تكامل مستدام، يدافع نشطاء حقوق الإنسان، على العكس من ذلك، عن فكرة إقامة فضاء مغاربي قائم على حرية التنقل والتضامن والنضالات المشتركة.
تُظهر التجربة المغاربية الأخيرة في نهاية المطاف أن التحولات الديمقراطية تظل هشة عندما تفشل في تحويل الحركات الشعبية إلى مؤسسات مستدامة، ووسائل وساطة سياسية ذات مصداقية، وضمانات اجتماعية ملموسة. لكن على الرغم من خيبة الأمل والانتكاسات الاستبدادية، لا تزال التطلعات إلى الحرية والكرامة والعدالة متأصلة بعمق في المجتمعات المغاربية.
ربما يكمن اليوم أحد الأفق الديمقراطي الرئيسي للمنطقة في استمرار هذه المقاومة، وكذلك في البناء التدريجي لمغرب حقيقي يحترم حقوق الإنسان