ما الذي دفع السلطات التونسية إلى سحب الإعلان الذي أصدرته في عام 2017 بموجب المادة 34.6 من البروتوكول الملحق بالميثاق الأفريقي لحقوق الإنسان والشعوب؟
ويشكل هذا الإعلان قبولاً من دولة ما باختصاص المحكمة للبت في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان التي يرفعها ضدها أشخاص أو جمعيات تتمتع بصفة مراقب لدى اللجنة الأفريقية لحقوق الإنسان والشعوب. وهذا إنجاز تاريخي للثورة التونسية.
إن التظاهر بالإجابة على سؤال "لماذا" ليس بالمهمة السهلة، بالنظر إلى أنه لم يتم تقديم أي أسباب للقرار ولم يسبقه أي نقاش عام أو مجتمعي حوله، تمامًا مثل جميع القرارات التي اتخذها الرئيس قيس سعيد وإدارته.
الشيء الوحيد المؤكد هو أن الرئيس قرر ذلك - وهذا ليس جوابًا. في الواقع، لطالما اتخذت عملية اتخاذ القرارات، أي "خط صنع" قرارات هذا النظام، شكل "أوكاز". هذا النمط من الحكم ليس غريبًا عن هندسة السلطة كما تم تصوره وتكريسه في دستور 2022، الذي تمت صياغته لصالحه وحده. فرئيس الجمهورية في الواقع لا يخضع للمساءلة عن أي من أفعاله، ولا يوجد نص على سلطة مضادة فعالة قادرة على إلزامه بمعالجة انتهاكاته لسيادة القانون أو لدستوره.
هذا المفهوم للسلطة يجعل التعليل وراء القرارات الرئاسية غير ذي أهمية عملية أو قانونية. وبالتالي، فإن تحليل أسباب هذه القرارات هو ممارسة شبه مقصورة على فئة معينة. وحتى لو تمكنا من العثور على بعض الإجابات، فإن الأسباب المباشرة لا يمكن أن تكون إلا مشروطة.
وتجدر الإشارة أولاً وقبل كل شيء إلى أن هذا القرار متوقع من حيث المبدأ، للأسف، بالنظر إلى السياق الوطني (1) والدولي (2) لحقوق الإنسان. ومع ذلك، يمكن تفسيره أيضًا على أنه رد فعل على قرارات المحكمة (3)، أو على الدعاوى القضائية الجارية (4)، أو حتى على الدعاوى القضائية المستقبلية (5).
1/ السياق الوطني
فمنذ انقلابه في 25 يوليو 2021، لم يتوقف الرئيس قيس سعيد عن مهاجمة حقوق الإنسان في تونس، خاصة بعد إصدار مرسومه سيئ السمعة رقم 117/2021، الذي يتمتع بمرتبة فوق دستورية ويركز السلطات التنفيذية والتشريعية في يد الرئيس كإجراءات استثنائية.
كما ابتعد رئيس الجمهورية عن استقلالية القضاء بمرسومه بقانون رقم 11/2022، الذي أنشأ مجلساً أعلى مؤقتاً للقضاء دون ضمانات للاستقلالية، حيث يقوم رئيس السلطة التنفيذية بتعيين الأعضاء بشكل مباشر أو غير مباشر. وقد تم تعديل ذلك فيما بعد بموجب المرسوم بقانون رقم 35/2022، الذي أجاز لرئيس الجمهورية عزل أي قاضٍ دون أي سبب أو إجراء تأديبي مسبق.
مرسوم بقانون تلو الآخر ينتهك حقوق الإنسان. فقد تم تعديل الهيئة العليا المستقلة للانتخابات، وتحويلها ببساطة إلى هيئة انتخابات رئاسية. ولم يسلم قانون الانتخابات من هذا التشويه. وعلاوة على ذلك، فإن معدلات امتناع الناخبين عن التصويت بعد 25 يوليو 2021 تحطم الأرقام القياسية العالمية.
المرسوم بقانون رقم 54/2022 الذي كمم وسائل الإعلام والمجتمع المدني والمواطنين. كان دستور 2022 خطوة واضحة إلى الوراء مقارنة بدستور 2014. فحتى أحكامه المتعلقة بحقوق الإنسان وضمان تلك الحقوق ظلت حبراً على ورق، بسبب التطبيق الأكثر تحرراً للنصوص من قبل السلطات الحاكمة.
وقد نبهت مؤسسات الأمم المتحدة، سواء المفوض السامي لحقوق الإنسان أو المقررين الخاصين، السلطات التونسية والرأي العام مراراً وتكراراً إلى الانتهاكات المتكررة والمنهجية لحقوق الإنسان في تونس.
كما لا ينبغي أن ننسى أن هذه المؤسسات الحقوقية لا تنسجم مع مفهوم قيس سعيد الشعبوي لحقوق الإنسان باعتبارها "مؤامرة استعمارية غربية مستغلة". إن المحكمة هي هيئة تابعة للاتحاد الأفريقي، أي أنها رد فعل جنوب-جنوب على انتهاكات حقوق الإنسان، وهو ما يحبط خطاب النظام الذي يريد التحرر منها.
وبالنظر إلى هذه الصورة البانورامية الكارثية لحالة حقوق الإنسان وتجسيد الثورة المضادة من قبل النظام الحالي، فإن مثل هذا الإجراء لحرمان ضمانات حقوق الإنسان من جانب سلطة تتركز في يد شخص واحد ليس مستغربًا. والسؤال هو: لماذا الآن؟ يمكن تفسير التوقيت بالسياق الدولي.
2/ السياق الدولي: تجاهل حقوق الإنسان
قد لا يكون الرئيس قيس سعيد خبيراً استراتيجياً عظيماً، لكن انتهازيته التكتيكية فعالة جداً مع ذلك. ومن الواضح أن قراره ليس سياديًا، على عكس ما يدعيه. والدليل على ذلك أنه لم يتخذ القرار إلا عندما كان السياق الدولي مواتياً.
هناك دول لا يمكن إلا أن ترحب بهذا الإجراء، كالنظامين الجزائري والمصري اللذين يتمتعان بنفوذ كبير، أو الأنظمة الملكية الخليجية التي لديها فوبيا مزمنة من كل ما له علاقة بالديمقراطية وحقوق الإنسان، والتي تخشى من تأثير الدومينو الذي أحدثه الربيع العربي. وهذا القرار يطمئنهم على طبيعة النظام التونسي، رغم أن هذا الأمر لم يعد موضع شك.
ومن ناحية أخرى، فإن البلدان التي تمارس ضغوطاً تقليدية لصالح حقوق الإنسان ليست في وضع يسمح لها بذلك في الوقت الراهن. فمن ناحية أولى، تخلت الولايات المتحدة الأمريكية، على الأقل من الناحية العملية، عن الخطاب المؤيد لحقوق الإنسان والديمقراطية. لذا ليس لدى قيس سعيد ما يخشاه من القيام بذلك. بل قد يكون بالون اختبار يهدف إلى قياس موقف الإدارة الأمريكية الجديدة في هذا المجال. من ناحية أخرى، فإن الاتحاد الأوروبي ودوله الأعضاء ليس لديهم هاجس واحد في علاقاتهم مع تونس: وقف الهجرة غير الشرعية - حتى لو كان ذلك يعني التزام الصمت المتواطئ أمام الانتهاكات الجسيمة التي يرتكبها نظام قايد ضد التونسيين والمهاجرين على حد سواء، في انتهاك صارخ للمادة 2 من اتفاقية الشراكة بين الاتحاد الأوروبي وتونس لعام 1995.
صحيح أن هذا الوضع استمر على الأقل منذ توقيع مذكرة 2022. لكن موقف الإدارة الأمريكية الجديدة تجاه الحرب في أوكرانيا والعلاقات مع حلف شمال الأطلسي زاد من مخاوف الأوروبيين الذين ينشغلون الآن بقضايا أكثر إلحاحًا وأساسية مرتبطة بالديناميكيات الجديدة للعلاقات الدولية.
لذلك شعر قيس سعيد أن الوقت مناسب لتجاوز الروبيكون، خاصة وأن المحكمة الأفريقية غير مرتبطة بالمؤسسات المالية، وبالتالي ليس من الضروري إغراء المانحين والداعمين، على عكس آليات الأمم المتحدة. وعلاوة على ذلك، اكتفى قيس سعيد بالرد باستخفاف على المفوض السامي لحقوق الإنسان، دون أن يغلق الباب كما فعل مع المحكمة الأفريقية.
3/ رد الفعل على قرارات المحكمة الأفريقية
وعلى الرغم من أن قرار الانسحاب ليس نتيجة مباشرة لحكم محدد، إلا أنه يدل على وجود نوع من عدم الارتياح، بل والاستياء من جانب النظام فيما يتعلق بقرارات المحكمة. لم يصدر عن النظام الحاكم في تونس أي رد فعل أو تواصل علني بشأن هذه القرارات، سواء في وسائل الإعلام أو من خلال أي قناة أخرى، على الرغم من أهمية القضايا التي تم تناولها.
في قرارها رقم 017/2021، أدانت المحكمة في قرارها رقم 017/2021 تصرفات رئيس الجمهورية في 25 يوليو 2021. وقد نصبت نفسها في الموعد المحدد كمحكمة دستورية، مشيرةً إلى انتهاكات المادة 80 من دستور 2014، وأمرت بالعودة إلى النظام الدستوري وإلغاء المراسيم الرئاسية، ولا سيما المرسوم رقم 117/2021.
في دولة تحكمها سيادة القانون، كان من شأن هذا الحكم أن يكون ضربة قاضية لانقلاب قيس سعيد على السلطة في دولة تحكمها سيادة القانون، مما أدى إلى تدمير روايته وحججه بأكملها. فقد تم التشكيك في شرعية سلطته ذاتها.
في حكمها رقم 016/2021، أمرت المحكمة الدولة التونسية بإلغاء المرسوم بقانون 11/2022 المتعلق بالمجلس الأعلى للقضاء المؤقت - وهي ضربة أخرى للنظام الذي لم يتفاعل معها.
كما كانت القرارات المتعلقة بالتدابير المؤقتة بمثابة انتكاسة للسلطات، كما هو الحال في القضية رقم 008/2023 المتعلقة بالمعتقلين السياسيين، حيث فشل محامي الدولة في إقناع المحكمة بأن هؤلاء المعتقلين قد حصلوا على حقهم الأساسي في محاكمة عادلة.
كما أمرت المحكمة الدولة التونسية بتعليق تطبيق المرسوم بقانون رقم 35/2022 ومرسوم عزل 54 قاضيًا كتدبير مؤقت في القضية رقم 008/2024.
ويبدو أن الأحكام والتدابير المؤقتة التي فرضتها المحكمة هي السبب وراء انسحاب السلطات التونسية التي كانت تنتظر ببساطة اللحظة المناسبة لاتخاذها - خاصة وأن عدداً من القضايا القانونية الهامة لا تزال عالقة.
4/ الدعاوى القضائية الجارية
لا يزال عدد كبير من القضايا المعلقة المتعلقة بانتهاكات حقوق الإنسان التي وقعت قبل وبعد 25 يوليو 2021 معروضة على المحكمة، في انتظار المداولات أو إغلاق المرحلة الكتابية.
ومن بين هذه القضايا قضية المعتقلين السياسيين، والطعن في المراسيم بقوانين 11/2022 و54/2022 و35/2022، والانتخابات التشريعية لعام 2022 - وهي موضوع ثلاث قضايا على الأقل - والنص الذي يجرم الزنا.
ويمكن أن يفسر هذا الانسحاب أيضًا طلبًا معلقًا بشأن تنفيذ الحكم رقم 017/2021. وإذا وجدت المحكمة أن الدولة ترفض الامتثال لقرارها، فيجوز لها أن تحيل المسألة إلى الاتحاد الأفريقي، الذي ينص نظامه الداخلي على تعليق عضوية أي عضو شهد تغييراً غير دستوري في السلطة.
وفي هذه الحالة، سيكون هامش تقدير الاتحاد الأفريقي محدوداً، لأن المحكمة نفسها هي التي وصفت انقلاب السيد قيس سعيد بأنه غير دستوري.
ولحسن الحظ، فإن قرار الرئيس سعيد بوقف "نزيف" الإدانات من قبل المحكمة ليس له أي تأثير على القضايا المفتوحة حالياً، والتي يجب أن تسير في مسارها الطبيعي. لكن لا شك أن الدعاية الشعبوية للنظام ستسعى بلا شك إلى التقليل من أهمية القرارات المستقبلية، بحجة أنه لم يعد لها أي أثر قانوني بسبب الانسحاب. وحتى لو كان من السهل إثبات العكس، سيزعم النظام أن هذه القرارات انتقامية.
5/ التقاضي في المستقبل
قرار الانسحاب غير قابل للإنفاذ الفوري: فهو لا يسري إلا بعد عام واحد من إخطار رئيس الاتحاد الأفريقي للمحكمة به، وفقًا لمبدأ توازي الأشكال، أي في مارس 2026. هذه الفترة غير منصوص عليها في بروتوكول المحكمة، الذي لا يتناول صراحةً سحب الإعلان المنصوص عليه في المادة 34-6 منه، وبالتالي فهي قاعدة عرفية.
في مواجهة الطعن في اختصاصها الزمني نتيجة انسحاب إحدى الدول، كان على المحكمة أن تتخذ قرارًا: استندت المحكمة إلى اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات لتأكيد الحد الزمني البالغ سنة واحدة.
وبالتالي، فإن فرصة رفع القضايا أمام المحكمة لا تزال قائمة خلال هذه الفترة. ولهذا السبب دعت اللجنة من أجل احترام الحريات وحقوق الإنسان في تونس وشجعت ضحايا انتهاكات حقوق الإنسان على مواصلة تقديم أكبر عدد ممكن من القضايا إلى المحكمة، على أمل أن تعود الدولة التونسية قريباً إلى هذا الصك الذي يضمن، على الأقل من حيث المبدأ، الاعتراف الفعلي بانتهاكات حقوق الإنسان.