منذ عام 2021، أصبحت الهجرة قضية محورية ليس فقط في علاقات تونس الخارجية، لا سيما مع الاتحاد الأوروبي، بل أيضًا في ديناميكياتها السياسية الداخلية. وقد أدى استخدام هذه القضية من قبل السلطات التونسية إلى تجريم التضامن مع المهاجرين وقمع المنخرطين في الجمعيات والمنتقدين للحكومة. ومن خلال هذا التفسير المزدوج، تصبح إدارة تدفقات الهجرة مقياسًا لحالة الحريات الأساسية في تونس.
I. الهجرة: موضوع محوري في العلاقات بين تونس والاتحاد الأوروبي
تم تعزيز التعاون بين تونس والاتحاد الأوروبي في السنوات الأخيرة، مع التركيز على الهجرة كنقطة محورية. وقد كثف الاتحاد الأوروبي مبادراته الرامية إلى إسناد مراقبة الحدود إلى تونس، من خلال اتفاقيات التمويل والشراكات الاستراتيجية. في يوليو 2023، تم التوقيع على مذكرة تفاهم في يوليو 2023، تم بموجبها تخصيص 150 مليون يورو لتعزيز قدرات تونس في مجال مراقبة الحدود ومكافحة الهجرة غير النظامية. ومع ذلك، فقد أثارت هذه الاتفاقية انتقادات، لا سيما من البرلمان الأوروبي، الذي أشار إلى عدم وجود تقييم للأثر على حقوق الإنسان قبل تنفيذها.
وقد عزز هذا التعاون من عسكرة الحدود وإضفاء الطابع العسكري على الحدود وإضفاء الطابع الخارجي على مسؤولية إدارة الهجرة، ولكنه أدى أيضًا إلى انتهاكات منهجية للحقوق الأساسية للمهاجرين. وقد وثقت العديد من المنظمات غير الحكومية، مثل هيومن رايتس ووتش والمنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، عمليات التهجير القسري والطرد التعسفي وأعمال العنف ضد المهاجرين من جنوب الصحراء الكبرى. وقد بلغت هذه الممارسات ذروتها في عام 2023، عندما تم التخلي عن عدة مئات من المهاجرين في مناطق حدودية خطيرة مع ليبيا والجزائر.
ثانياً. الخطاب المعادي للأجانب وسياسات الهجرة
جاءت نقطة التحول الرئيسية في سياسة الهجرة التونسية في فبراير/شباط 2023، مع خطاب الرئيس قيس سعيد الذي ينطوي على كراهية علنية للأجانب. ففي اجتماع لمجلس الأمن القومي، ادعى في اجتماع لمجلس الأمن القومي أن المهاجرين من جنوب الصحراء الكبرى جزء من مؤامرة لتغيير التركيبة الديموغرافية لتونس. كان لهذا الخطاب، المستوحى من نظرية المؤامرة المتمثلة في "الاستبدال الكبير"، عواقب فورية وخطيرة: زيادة في الهجمات العنصرية، وعمليات الطرد القسري، وتشديد الإجراءات الأمنية.
وعلى الرغم من محاولة الرئيس التراجع عن تصريحاته، حيث صرح في مارس 2023 بأن كلماته قد أسيء فهمها، إلا أن العنف ضد المهاجرين استمر. وقد أدى إنشاء الميليشيات، خاصة في مناطق مثل صفاقس، إلى حملات مطاردة المهاجرين، والتي غالبًا ما تشجعها التصريحات الرسمية. في الوقت نفسه، أدانت جمعيات المجتمع المدني مثل "منميتي" و"تونس أرض العطاء" أعمال العنف ونددت بسياسة الحكومة العنصرية.
ثالثاً. تجريم التضامن مع المهاجرين: أداة للقمع
كما أصبحت مكافحة الهجرة غير الشرعية ذريعة لقمع معارضي النظام. وقد أدى تجريم التضامن إلى الاعتقال التعسفي للنشطاء وقادة المجتمع بتهم ملفقة مثل تقويض أمن الدولة أو المساعدة على الهجرة غير الشرعية. ومن بين الشخصيات الرمزية التي طالتهم سعدية مصباح ومحمد جو، (يمكن ذكر أسماء أخرى مثل الرياحي...) اللذين اعتقلا بسبب تقديمهما الدعم الإنساني للمهاجرين من جنوب الصحراء الكبرى.
استُخدمت القوانين التونسية، لا سيما الأحكام الجنائية القمعية مثل المرسوم بقانون 54 لسنة 2022، على نطاق واسع لتكميم الأفواه المعارضة. وقد أصبح هذا المرسوم، الذي كان يهدف في البداية إلى مكافحة المعلومات الكاذبة، أداة قمع واسعة النطاق ضد الصحفيين والمحامين والنشطاء. ففي عام 2024، تمت مقاضاة أكثر من 1,700 شخص بموجب المادة 24 من هذا المرسوم، بما في ذلك النشطاء المشاركين في أعمال التضامن مع المهاجرين.
رابعا- الهجرة وتآكل حقوق الإنسان: تآكل منهجي للحريات
ترتبط الإدارة السلطوية للهجرة في تونس ارتباطًا وثيقًا بتراجع حقوق الإنسان. فقد أدى انقلاب قيس سعيد في 25 يوليو 2021 إلى سلسلة من الإجراءات التقييدية التي فككت المؤسسات الديمقراطية وقلصت من الحريات. كما أدى حل المجلس الأعلى للقضاء في فبراير/شباط 2022 وتركيز السلطات القضائية والتشريعية في يد الرئيس إلى استحالة السيطرة على التجاوزات السلطوية.
وفي هذا السياق، أصبحت الهجرة مؤشراً على درجة الحرية والديمقراطية في تونس. وقد أدى عدم وجود إطار قانوني واضح لحماية المهاجرين، إلى جانب القوانين الجنائية القمعية، إلى خلق بيئة مواتية للانتهاكات المنهجية لحقوق الإنسان. ويقع المهاجرون من جنوب الصحراء الكبرى، الذين غالباً ما يجبرون على العيش في ظروف غير مستقرة ويحرمون من الحصول على الخدمات الأساسية مثل الصحة والتعليم، ضحايا للفصل بحكم الأمر الواقع.
خامساً- الاستجابة الدولية: تعبئة خجولة
في مواجهة التجاوزات الاستبدادية وانتهاكات حقوق الإنسان، ردت العديد من المنظمات الدولية بدعوة تونس إلى احترام التزاماتها الدولية. ففي عام 2023، نددت مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان بممارسات الحكومة التونسية العنصرية والتمييزية، داعيةً إلى الوقف الفوري لعمليات الطرد الجماعي والعنف ضد المهاجرين. كما علّق البنك الدولي تعاونه مع تونس مؤقتًا في أعقاب خطابات قيس سعيد المعادية للأجانب.
ومع ذلك، تظل التعبئة الدولية غير كافية في مواجهة حجم الانتهاكات. ويجب تكثيف الضغط الدبلوماسي من خلال جعل المساعدات المالية مشروطة بالاحترام الفعلي لحقوق الإنسان. وبالإضافة إلى ذلك، يجب على الاتحاد الأوروبي تقييم أثر سياساته المتعلقة بالهجرة على حالة حقوق الإنسان واعتماد آليات رقابة أكثر صرامة لضمان عدم تشجيع شراكاته على الانتهاكات.
الخاتمة: الهجرة والحرية، صراع مترابط ومتشابك
تتجاوز قضية الهجرة في تونس إطار السياسات الخاصة بإدارة تدفق الأشخاص. فقد أصبحت قضية حقوق الإنسان ومقياسًا للحريات وأداة للقمع السياسي. لقد أصبح تآكل الحريات في تونس الآن ظاهرة عالمية تُستخدم فيها مكافحة الهجرة غير النظامية كذريعة لتكميم الأفواه الناقدة وتعزيز السلطة الاستبدادية. وبالتالي، فإن استعادة المكاسب الديمقراطية في تونس تتطلب تعبئة وطنية ودولية على حد سواء، إلى جانب زيادة الدعم للمدافعين عن حقوق الإنسان والشرائح الأكثر ضعفاً من السكان.