tag -->

نداء عاجل

تونس: موجة الحر الشديد تحول السجون إلى خطر داهم على حياة السجناء. يجب حماية أرواح وصحة المعتقلين في تونس على الفور

تعرب «الجنة احترام الحريات وحقوق الإنسان في تونس» (اللجنة) عن قلقها البالغ إزاء التقارير المتزايدة والمتطابقة والمقلقة التي تشير إلى تدهور بالغ الخطورة في ظروف الاحتجاز في السجون التونسية، وهو ما تفاقمه موجة الحر الاستثنائية التي تضرب البلاد حالياً.

في الوقت الذي تتجاوز فيه درجات الحرارة 50 درجة مئوية في عدة مناطق، وتؤثر فيه أزمات نقص المياه وانقطاع التيار الكهربائي بشكل مستمر على كامل أراضي البلاد، وتشهد فيه السجون اكتظاظاً مزمناً، فإن السجون التونسية آخذة في التحول إلى أماكن حقيقية للمعاناة، حيث تتعرض صحة المعتقلين وسلامتهم الجسدية، وأحياناً حياتهم نفسها، لتهديد مباشر.

تصف الشهادات التي تم جمعها من العائلات والمحامين والسجناء السابقين ومنظمات الدفاع عن حقوق الإنسان وضعاً لا يطاق: زنازين تحولت إلى أفران، وانعدام التهوية، ونقص المياه، وحرارة خانقة، ووصول محدود إلى الرعاية الصحية، وتأخير في تنفيذ الوصفات الطبية، وقيود على زيارات الأقارب والمحامين.

وترى اللجنة (CRLDHT) أن هذه العناصر تكشف عن وضع إنساني مثير للقلق البالغ، ومن شأنه أن يؤدي إلى عواقب لا رجعة فيها بالنسبة للأشخاص الأكثر ضعفاً.

قلق خاص بشأن السجناء المسنين والمرضى

تعرب اللجنة CRLDHT عن قلقها البالغ إزاء الأنباء المقلقة للغاية المتعلقة بالسيد راشد الغنوشي، البالغ من العمر 85 عامًا، والمحتجز منذ أكثر من ثلاث سنوات. ووفقاً للمعلومات التي نشرتها لجنة الدفاع عنه، أفاد العديد من محاميه بأنه تعرض لنوبة صحية، ترافقت مع إغماء وحالة من الإرهاق الشديد، في ظل موجة حر شديدة. كما تدين لجنة الدفاع عنه رفض السماح لمحاميه وأفراد أسرته بزيارته، مما يحرم أقاربه من أي إمكانية للتأكد من حالته الصحية ويغذي المخاوف المشروعة بشأن ظروف احتجازه. وبالنسبة لرجل في مثل سنه، يتعرض للتأثيرات المتضافرة للموجة الحارة، واكتظاظ السجون، ونقص المياه، وانقطاع التيار الكهربائي، فإن هذا الوضع يشكل خطراً بالغاً على سلامته الجسدية وقد يؤدي إلى عواقب لا رجعة فيها.

كما تعرب اللجنة (CRLDHT) عن قلقه العميق إزاء أوضاعأحمد نجيب الشابي، وشوقي طبيب، ومنظر الونيسي، ولطفي مرايحي، وعصام الشابي، وعبد الحميد جلاسي، وشيماء عيسى، غازي شاواشي، وعبير موسى، ورضا بلحاج، والصحبي  عتيق، وجوهر بن مبارك، والعياشي الهمامي، بالإضافة إلى العديد من السجناء السياسيين الآخرين الذين تنبه عائلاتهم ومحاموهم بانتظام إلى عواقب الحرارة الشديدة، وصعوبات الحصول على الرعاية الصحية، والقيود المفروضة على الزيارات، والتدهور التدريجي لحالتهم الصحية.

وتشدد اللجنة على أن العديد من هؤلاء المعتقلين هم من كبار السن، أو يعانون من أمراض مزمنة – لا سيما السكري، وأمراض القلب والأوعية الدموية، والأمراض الروماتيزمية، أو غيرها من الحالات التي تتطلب متابعة طبية مستمرة – أو يعانون من ضعف خاص لا يتوافق مع ظروف الاحتجاز الحالية. وفي السجون التي تعاني من الاكتظاظ، ونقص التهوية، وانقطاع التيار الكهربائي، ونقص المياه، وعدم كفاية الخدمات الطبية، تشكل موجة الحر عاملاً مفاقماً رئيسياً من شأنه أن يعرض حياتهم للخطر بشكل مباشر.

تُجسِّد حالة شوقي طبيب الخلل الخطير في الرعاية الطبية داخل السجن. ووفقاً للمعلومات التي نشرتها عائلته، لا يزال محروماً من العلاجات التي وصفها له الأطباء المتخصصون، على الرغم من إصابته بأمراض مزمنة ومن تعرضه مؤخراً لنوبة صحية استلزمت نقله إلى المستشفى. وبالمثل، يُقال إن الحالة الصحية للدكتور منذر الونيسي قد تدهورت بشدة بعد إدانته، لدرجة أن طبيب السجن أوصى بنقله إلى مستشفى متخصص. وتؤكد شهادات عائلات خيام التركي،وعصام الشابي،وعبد الحميد جلاسي ،وأحمد نجيب الشابي، التي تصف غرف الزيارة بأنها تحولت إلى «أفران» حقيقية، ودرجات حرارة تتجاوز 50 درجة مئوية، وظروف زيارة مرهقة، وقلق دائم بشأن الحالة الصحية لأقاربهم، تؤكد أن هذه الحالات لم تعد حالات منفردة.

بالنسبة للجنة CRLDHT، فإن تراكم هذه الشهادات، الصادرة عن عائلات مختلفة، والمتعلقة بمحتجزين في عدة سجون، يكشف عن مشكلة هيكلية تتجاوز بكثير الحالات الفردية. وهي تسلط الضوء على تدهور عام في ظروف الاحتجاز والرعاية الصحية في السجون التونسية، في الوقت الذي تعرض فيه موجة الحرارة الاستثنائية جميع الأشخاص المحرومين من حريتهم، ولا سيما السجناء المسنين أو المرضى أو المستضعفين، لخطر حقيقي يهدد حياتهم وسلامتهم الجسدية. وفي ظل هذه الظروف، فإن أي تقاعس أو إهمال في توفير الرعاية والتدابير الوقائية اللازمة من شأنه أن يترتب عليه تحمل السلطات المسؤولة عن حراستهم المسؤولية الكاملة.

أزمة تمس جميع السجناء

وتذكّر الجنة ( CRLDHT) بأن هذا الوضع لا يقتصر على السجناء السياسيين وحدهم. تستضيف السجون التونسية عشرات الآلاف من الأشخاص المحرومين من حريتهم، والغالبية العظمى منهم من السجناء العاديين. ويواجهون جميعًا ظروف احتجاز متدهورة للغاية: اكتظاظ مزمن، وحرارة خانقة، ونقص في المياه، وانقطاع التيار الكهربائي، ونقص في البنى التحتية الصحية، وصعوبات في الحصول على الرعاية الصحية.

كبار السن، والسجناء المصابون بأمراض مزمنة، والأشخاص ذوو الإعاقة، والنساء الحوامل، والأشخاص الذين يعانون من اضطرابات نفسية، فضلاً عن جميع السجناء الأكثر ضعفاً، يتعرضون اليوم لمخاطر بالغة الخطورة. ويتذكّر اللجنة (CRLDHT) بأن الحرمان من الحرية لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يبرر الحرمان من الحق في الحياة، أو الحق في الصحة، أو الحق في الكرامة.

كما يشدد اللجنة على أن أعوان السجون لا يتوفر لديهم لا الموارد البشرية والمادية والطبية، ولا القدرات اللازمة للتعامل مع الاكتظاظ في السجون الذي أصبح مشكلة مزمنة. وعلى الرغم من الجهود التي يبذلونها، فإنهم لا يستطيعون معالجة أوجه القصور الهيكلية في نظام السجون. وفي ظل موجة الحر الشديد غير المسبوقة التي تشهدها البلاد حالياً، تشكل هذه أوجه القصور تهديداً خطيراً لأمن وصحة وظروف معيشة المحتجزين.

وترى اللجنة CRLDHT أن هذا الوضع يسلط الضوء على الحاجة الملحة إلى إجراء مراجعة شاملة للسياسة الجنائية وسياسة السجون. فمن الضروري الحد من اللجوء المفرط إلى السجن، وتطوير بدائل للاحتجاز، وجعل الحرمان من الحرية تدبيرًا استثنائيًا بحق، وفقًا للمبادئ الأساسية للعدالة.

وأخيرًا، تذكّر اللجنة (CRLDHT) بأن الاكتظاظ الحالي في السجون ليس مجرد نتيجة لنقص البنية التحتية فحسب، بل هو أيضًا نتيجة للانتهاكات المتكررة لضمانات المحاكمة العادلة، واللجوء المفرط إلى الايقاف الاحتياطي، وانتهاكات مبدأ افتراض البراءة. وقد ساهمت هذه الممارسات في زيادة مقلقة في أعداد السجناء، مما أثر بشكل خاص على العديد من السجناء السياسيين، وكذلك على عدد كبير من المتهمين الآخرين.

وبالتالي، فإن الأزمة الإنسانية التي تهدد السجون التونسية اليوم لا تعود فقط إلى موجة الحر. فهذه الموجة تعمل بمثابة مؤشر وعامل مُفاقم لمشاكل نظام سجون أضعفته الخيارات الجنائية والقضائية التي تستدعي إصلاحات عميقة وعاجلة.

التزامات السلطات التونسية

تذكّر اللجنة (CRLDHT) بأن السلطات التونسية ملزمة قانونًا بضمان حماية الأشخاص الموجودين تحت رعايتها.

وينبع هذا الالتزام، على وجه الخصوص، مما يلي:

  • من الدستور التونسي؛
  • التشريعات التي تنظم نظام السجون؛
  • من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية؛
  • من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية؛
  • من اتفاقية مناهضة التعذيب؛
  • بالإضافة إلى «قواعد نيلسون مانديلا»، التي تُلزم الدول بضمان حصول المحتجزين على رعاية طبية تعادل تلك التي يتمتع بها بقية السكان، وضمان احترام كرامتهم.

لا يمكن لأي ظروف استثنائية، بما في ذلك أزمة مناخية أو صعوبات مادية، أن تعفي الدولة من هذه المسؤولية.

تطالب اللجنة باتخاذ إجراءات فورية

في مواجهة هذه الحالة الطارئة وتدعو السلطات التونسية إلى التحرك فوراً من أجل:

  • التنفيذ الفوري لخطة طوارئ صحية وطنية في جميع المؤسسات العقابية، من أجل مواجهة تداعيات موجة الحر؛
  • تزويد السجون بالمياه الصالحة للشرب بشكل مستمر، وإعادة التيار الكهربائي باستمرار، وتركيب أنظمة تهوية أو تبريد مناسبة؛
  • الحد من الاكتظاظ في السجون، ولا سيما من خلال اللجوء إلى التدابير البديلة التي ينص عليها القانون بالنسبة للأشخاص الأكثر ضعفاً والسجناء الذين لا تتوافق حالتهم الصحية مع ظروف الاحتجاز الحالية؛
  • الوصول الفوري إلى جميع الرعاية الطبية، والتنفيذ الفوري للتوصيات الطبية الصادرة عن الأطباء المتخصصين، ونقل المحتجز إلى المستشفيات كلما استدعت حالته ذلك؛
  • تعزيز الحماية الممنوحة للسجناء المسنين أو المرضى أو ذوي الإعاقة، الذين يجب أن يحظوا بمراقبة طبية مستمرة خلال هذه الفترة التي تشهد موجة حر استثنائية؛
  • الرفع الفوري للقيود المفروضة على زيارات الأسر والمحامين، من أجل ضمان الشفافية، ومنع سوء المعاملة، وإتاحة متابعة مستقلة للحالة الصحية للمحتجزين؛
  • إجراء فحوصات طبية مستقلة لجميع المحتجزين الذين تثير حالتهم مخاوف مشروعة؛
  • النشر المنتظم لمعلومات موثوقة حول الوضع الصحي في السجون، بهدف وضع حد للشائعات والمخاوف المتزايدة لدى الأسر؛
  • السماح بإجراء زيارات مستقلة للسجون من قبل السلطات القضائية المختصة، وآليات الوقاية الوطنية، ومنظمات الدفاع عن حقوق الإنسان، والهيئات الدولية المخولة بذلك.

الدولة تتحمل االمسؤولية الكاملة

يتذكّر اللجنة (CRLDHT) بقوة بأن أي شخص محروم من حريته يقع تحت المسؤولية الحصرية للدولة التونسية. وبمجرد احتجاز أي فرد، تقع على عاتق السلطات التزام مطلق بضمان حياته وسلامته الجسدية وكرامته وحقه في الحصول على الرعاية الطبية المناسبة. وينبع هذا الالتزام من الدستور التونسي، والتشريعات الوطنية، والاتفاقيات الدولية التي صدقت عليها تونس، فضلاً عن «قواعد نيلسون مانديلا»، التي تُلزم الدول بضمان توفير مستوى من الرعاية للمحتجزين يعادل ذلك الذي يتمتع به عموم السكان.

في ظل الظروف الاستثنائية التي يمر بها البلد اليوم، تزداد هذه المسؤولية إلحاحاً. فالآثار المتراكمة للموجة الحارة، ونقص المياه، وانقطاع التيار الكهربائي، والاكتظاظ في السجون، وقصور الرعاية الطبية، تخلق وضعاً ينطوي على خطر متوقع للأشخاص المحرومين من حريتهم، ولا سيما السجناء المسنين أو المرضى أو المستضعفين.

وفي هذا الصدد، نرى اللجنة (CRLDHT) أن رئيس الجمهورية، السيد قيس سعيد، بصفته رئيس الدولة والسلطة التنفيذية الرئيسية، وكذلك السيدة ليلى جافل، وزيرة العدل، التي تخضع لها إدارة السجون، يتحملان مسؤولية مباشرة عن حماية حياة وصحة وحقوق جميع المحتجزين الأساسية. وتقع هذه المسؤولية أيضًا على عاتق المسؤولين عن إدارة السجون وجميع السلطات المكلفة بحراسة الأشخاص المحرومين من حريتهم.

لم يعد بإمكان السلطات التذرع بالجهل. فمنذ عدة أسابيع، تواصل أسر المعتقلين ومحاموهم ومنظمات الدفاع عن حقوق الإنسان والعديد من الجهات الفاعلة في المجتمع المدني توجيه التحذيرات المتتالية. فقد أصبحت الشهادات التي تشير إلى درجات حرارة تتجاوز 50 درجة مئوية، وحالات الإعياء والإغماء، والحرمان من الرعاية الصحية، والتأخير في تنفيذ الوصفات الطبية، وانقطاع المياه والكهرباء، فضلاً عن ظروف الاحتجاز التي تتعارض مع احترام كرامة الإنسان، كثيرة ومتطابقة وموثقة على نطاق واسع.

إن إبقاء كبار السن أو المرضى أو الفئات الضعيفة بشكل خاص في مثل هذه الظروف، دون اتخاذ جميع تدابير الحماية اللازمة على الفور، قد يشكل إخلالاً جسيماً بالالتزامات المتعلقة بالحماية التي تقع على عاتق الدولة التونسية.

يحذر مركز CRLDHT بشكل رسمي من أنه في حال تدهورت الحالة الصحية لأحد السجناء أو أكثر بشكل لا رجعة فيه، أو في حال وقوع وفاة رغم تنبيه السلطات مرارًا وتكرارًا وتوفر الوسائل اللازمة للتدخل، فإن المسؤولية ستقع مباشرةً على عاتق قيس سعيد وليلى جافل.

في مواجهة الخطر الحقيقي لوقوع مأساة إنسانية في السجون التونسية، يوجه المركز التونسي لحقوق الإنسان(CRLDHT) نداءً عاجلاً إلى الأمم المتحدة، ومفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، واللجنة الدولية للصليب الأحمر،والاتحاد الأفريقي،والاتحاد الأوروبي، والمقررين الخاصين للأمم المتحدة، والمنظمات الدولية المدافعة عن حقوق الإنسان، وكذلك إلى جميع المؤسسات الملتزمة بحماية الحقوق الأساسية.

لا يمكن أن تتأخر حماية حياة وكرامة الأشخاص المحرومين من حريتهم. فكل ساعة تمر دون اتخاذ إجراء مناسب تزيد من خطر حدوث عواقب لا رجعة فيها.

باريس، 24 جويلية 2026

شارك هذه المقالة:

مقالات ذات صلة

العودة إلى الأعلى