وكأن المحن التي عانى منها القضاة المفصولون لم تكن كافية، فإن نظام قيس سعيد يتخطى مرحلة جديدة في التصعيد. فقد قدم المدعي العام لدى محكمة الاستئناف في تونس طعناً ضد قرارات تسجيل بعض القضاة المفصولين في نقابة المحامين التونسية، مستنداً إلى المادتين 74 و75 من المرسوم بقانون 79/2011 المتعلق بمهنة المحاماة. وهذه المبادرة، التي هي أبعد ما تكون عن كونها بسيطة، قد تؤدي إلى إعادة النظر في هذه التسجيلات وإعادة هؤلاء المحامين الجدد إلى نقطة البداية، مما يعيدهم إلى حالة من الإقصاء المهني والاجتماعي.
ملخص للوقائع والإجراءات: سلسلة طويلة من الأحداث المؤسفة
يمثل يوم 1 يونيو 2022 نقطة تحول حاسمة في التاريخ الحديث للعدالة التونسية. ففي هذا التاريخ، كثف الرئيس قيس سعيد هجومه على استقلالية السلطة القضائية. فبعد أن حل المجلس الأعلى للقضاء المنتخب، أنشأ هيئة مؤقتة عيّن أعضائها بنفسه، بموجب المرسوم بقانون رقم 11/2022. ويُحدث هذا النص تدخلاً مباشراً وغير مسبوق من قبل السلطة التنفيذية في مسيرة القضاة المهنية، مما يهدد الضمانات الأساسية لاستقلال القضاء. وقد أشارت المحكمة الأفريقية لحقوق الإنسان والشعوب إلى هذا الانحراف، حيث طلبت، في حكمها رقم 16/2021، إلغاء هذا الإجراء.
أصبح تاريخ 1 يونيو مرتبطاً الآن بمرحلة مظلمة في تاريخ القضاء التونسي. في أعقاب خطاب شديد اللهجة، اتسم بالاتهامات والشتائم والتشكيك الصريح في السلك القضائي، أصدر قيس سعيد المرسوم بقانون رقم 35/2022، الذي نُشر في مساء اليوم نفسه في الجريدة الرسمية. يعدل هذا النص، على وجه الخصوص، المادة 20 من المرسوم القانوني السابق ويمنح رئيس الدولة سلطة تقديرية لعزل القضاة، دون إجراءات مسبقة، ودون احترام مبدأ التنازع، ودون ضمانات لحقوق الدفاع، وفي انتهاك واضح لمبادئ سيادة القانون.
والأسوأ من ذلك، أن القضاة المفصولين يتعرضون تلقائيًا للملاحقة الجنائية ولا يمكنهم الطعن في قرار فصلهم إلا بعد استنفاد جميع سبل الانتصاف الجنائية، مما يضعهم في مأزق قانوني قد يستمر لعدة سنوات.
وفي هذا السياق، لم يتردد قيس سعيد في اللجوء إلى هذه الأداة على نطاق واسع. فمن خلال المرسوم رقم 516/2022، الذي صدر في اليوم نفسه، أصدر قرارًا بإقالة 57 قاضيًا، في ما يشبه عملية تطهير لم يسبق لها مثيل.
صحيح أن عزل القضاة ليس في حد ذاته أمراً جديداً في النظام القانوني التونسي. فقد كان موجوداً بالفعل بموجب القانون الأساسي لعام 1967، واستُخدم بعد الثورة، ولا سيما في عامي 2011 و2012. ومع ذلك، فإن الوضع الحالي يتميز بعنصر أساسي هو عدم احترام القرارات القضائية. ففي الواقع، أمر المحكمة الإدارية بتعليق بعض قرارات العزل، لكن هذه القرارات بقيت دون أثر، حيث رفضت السلطة التنفيذية الامتثال لها.
في مواجهة هذا الوضع، رفع عدد من القضاة دعوى أمام المحكمة الأفريقية لحقوق الإنسان والشعوب. وفي القضية رقم 08/2024، أمرت المحكمة، على سبيل مؤقت، بتعليق تنفيذ المرسومين رقم 35/2022 ورقم 516/2022. وعلى الرغم من الطابع الإلزامي لهذه القرارات بموجب القانون الدولي، إلا أنها لم تُنفذ.
وبالمثل، لم تُثر أي تأثير المواقف العديدة التي اتخذتها الهيئات الدولية، ولا سيما مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان والخبيرة المستقلة المعنية باستقلال القضاة والمحامين، فضلاً عن ردود فعل المجتمع المدني المحلي والدولي.
وبعد أن حُرموا من مناصبهم ودخلهم، لجأ القضاة المُعزلون إلى نقابة المحامين التونسية، التي شكّلت تاريخياً ملاذاً للقضاة الذين أُقصوا في ظل الأنظمة الاستبدادية السابقة.
ومع ذلك، في عام 2022، أظهر مجلس نقابة المحامين، بقيادة رئيس النقابة حاتم مزيو، تقارباً واضحاً مع السلطة. بل إن بعض المراقبين أطلقوا عليهم لقب «رؤساء نقابة قرطاج»، في إشارة إلى دعمهم العلني والمطلق للرئيس. وفي هذا السياق، رُفضت طلبات تسجيل القضاة، في موقف اعتُبر متوافقاً مع مواقف النظام.
لم تكلل الطعون التي قدمها القضاة بالنجاح، ولا سيما بسبب سيطرة السلطة التنفيذية على المؤسسات القضائية.
إلا أن تغييراً طرأ مع انتخاب المحامي بوبكر بيتاهبيت رئيساً لنقابة المحامين. وبناءً على برنامج يركز على الدفاع عن الحقوق والحريات، شرع المجلس الجديد في إعادة النظر في الطلبات وبدأ في تسجيل القضاة الذين تم عزلهم.
أثار هذا التطور أملاً، سرعان ما تلاشى بفعل تدخل النيابة العامة، التي قدمت استئنافاً ضد هذه القرارات.
وتجدر الإشارة إلى أن هذا الإجراء استثنائي: فهذه هي المرة الثانية فقط التي يُستخدم فيها هذا الحق. أما المرة الأولى فتعود إلى عهد بن علي. ومع ذلك، فقد استقبلت نقابة المحامين على مدى عقود معارضين دون أن تعترض السلطات على ذلك بشكل منهجي.
الأثر الإجرائي للاستئناف
من الناحية القانونية، يستند إجراء النيابة العامة إلى المادة 74 من المرسوم بقانون رقم 79/2011، التي تسمح لها بالطعن في قرارات نقابة المحامين. ومع ذلك، فإن السؤال الأساسي يتعلق بآثار هذا الطعن: هل يؤدي إلى تعليق تنفيذ قرارات التسجيل؟
تنص المادة 75 من حيث المبدأ على أن يكون للاستئناف أثر وقف التنفيذ. ومع ذلك، لم تُطبق هذه القاعدة كثيرًا في الممارسة العملية.
تكمن الصعوبة الرئيسية في أداء اليمين. فهل يجوز للقضاة المعنيين أداء اليمين في حين أن تسجيلهم موضع نزاع؟
قد تدفع وزارة العدل بأن الأثر المعلق يمنع إتمام هذه الإجراءات. غير أن هذا التفسير يتعارض مع المادة 6 من نفس المرسوم بقانون، التي تنص على أداء اليمين في غضون ثلاثة أشهر من تاريخ قبول التسجيل.
يشكل هذا البند قاعدة خاصة، ويجب أن تسود. ولا يوجد ما يشير إلى أن هذه المهلة مشروطة بنتيجة أي طعن. وأي تفسير مخالف لذلك من شأنه أن يفرغ هذا النص من مضمونه، وأن يفترض، دون أساس، وجود ثغرة في التشريع.
تطورات جديدة في النظام والتحديات
وبغض النظر عن الجوانب القانونية، تثير هذه الحالة سؤالاً جوهرياً: لماذا هذا الإصرار على استبعاد هؤلاء القضاة من أي نشاط مهني؟
فبحرمانهم من الحق في العمل، لا يكتفي النظام بمعاقبة الأفراد فحسب؛ بل يمتد تأثير ذلك ليشمل أسرهم، مما يعرضهم لمصاعب اقتصادية واجتماعية خطيرة.
يمكن تفسير هذه السياسة على أنها شكل من أشكال العقاب الرادع. فهي تهدف إلى ثني القضاة العاملين عن أي شكل من أشكال الاستقلالية، من خلال إظهار العواقب المترتبة على معارضة السلطة.
وباتباع هذا المنطق، يسعى النظام إلى ضمان خضوع السلك القضائي. ومع ذلك، لا تزال هناك مقاومة، لا سيما داخل «جمعية القضاة التونسيين». ويتعرض رئيسها، أنس حميدي، لضغوط مستمرة، على الرغم من الإدانات التي أعربت عنها الهيئات الدولية، ومن بينها «الاتحاد الدولي للقضاة» والمقررة الخاصة مارغريت ساترثويت.
في هذا السياق، أصبحت السلطة القضائية التونسية الآن عالقَة في دوامة من التفكيك العميق والمستمر. وفي مواجهة سلطة تزداد تقلبًا واستبدادًا، لم يعد من الممكن اعتبار الانتهاكات التي يتعرض لها حكم القانون مجرد انحرافات عابرة: فهي تعكس مسعى منهجيًا ومعلنًا لتدمير التوازنات المؤسسية.