tag -->

المغرب العربي في ظل التوتر: إعادة التركيب الجيوسياسي والمآزق الاستراتيجية

المغرب والجزائر وتونس والجزائر: ثلاثة مسارات وطنية وتجزئة إقليمية

في سياق عالمي متغير، حيث تحل محل المقاربات المتعددة الأطراف صراعات القوى الخام، يبرز المغرب العربي كمنطقة مضطربة. ولكن ماذا يعني هذا "الاضطراب" حقًا؟ هل هو علامة على انتشار عدم الاستقرار السياسي على نطاق واسع، أو تحول في التحالفات، أو ضعف هيكلي للمشاريع الإقليمية؟ أم أنه مظهر من مظاهر الاختلال العميق بين طموحات الدولة والتوقعات الاجتماعية والتوازنات الجيوسياسية الجديدة؟

يلعب التدخل الأجنبي دورًا هيكليًا في هذه الديناميات. وسواء أكانت إسرائيلية أو إماراتية أو فرنسية أو أمريكية أو روسية أو إيرانية، فإنها تساعد على تعقيد ميزان القوى الداخلي، وتفاقم التوترات بين الدول وتعزز من تجزئة المغرب العربي. وتكشف هذه التدخلات الخارجية، البعيدة كل البعد عن التجانس، عن جغرافيا سياسية مجزأة: الدعم الأمني للمغرب، ودعم الطاقة للجزائر، والهجرة كأداة في تونس.

وفي الوقت نفسه، تتغير التحالفات التاريخية الموروثة من الحرب الباردة. فقد عزز المغرب شراكاته التقليدية مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وفرنسا والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، بينما يطور علاقات أقوى مع الصين وروسيا. وتحاول الجزائر فتح حوار استراتيجي مع الولايات المتحدة، على الرغم من انحيازها الطويل الأمد لروسيا. أما تونس، من جانبها، فتتأرجح بين الاصطفافات العرضية والعزلة المتزايدة والتبعية المتعددة، دون رؤية استراتيجية واضحة.

  1. المغرب: بين الطموحات الأفريقية والقوة الناعمة والتصدعات الداخلية

يسعى المغرب بنشاط إلى ترسيخ نفسه كقوة إقليمية من خلال استراتيجية ثلاثية المحاور: الاعتراف الدولي بـ"مغربية الصحراء الغربية"، والدبلوماسية الاقتصادية الموجهة نحو أفريقيا جنوب الصحراء، وسياسة دينية ذات قوة ناعمة تروج لـ"إسلام وسطي" في مواجهة التيارات السلفية الممولة من قوى خليجية أخرى.

وتتجلى هذه القوة الناعمة من خلال تدريب الأئمة، ونشر الإسلام المعتدل، وتمويل المساجد، والاستثمارات المصرفية والتجارية، والاستراتيجية الإعلامية الهجومية. ويرافق ذلك مشاريع البنية التحتية الكبرى مثل ميناء طنجة المتوسط - الذي يعمل بكامل طاقته منذ عدة سنوات حتى الآن - وميناء الداخلة الذي لا يزال في مرحلة المشروع. ويكمل هذه الاستراتيجية تطوير صناعة السيارات، والشراكات التكنولوجية ونجاح OCP في بيع الأسمدة في إفريقيا وآسيا.

غير أن هذه السياسة الخارجية التي صُممت كواجهة استعراضية لا تخفي العيوب الداخلية: استمرار الفقر، والتفاوتات الصارخة، وتدهور الخدمات العامة، والنزوح الريفي الهائل. وقد أبرزت تداعيات الزلزال الذي ضرب قرى الأطلس حدود إعادة التوزيع الإقليمي والاجتماعي. ولا يزال نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي متواضعاً مقارنة بالطموحات التي تم تحديدها.

تظل مسألة الصحراء الغربية هاجسًا للدولة المغربية. وفي حين أنها لا تزال توحد الرأي العام في رد فعل قومي، فإن المقايضة التي تمت في عام 2020 (التطبيع مع إسرائيل مقابل الاعتراف الأمريكي بالصحراء) قد أثارت رفضاً أخلاقياً، لا سيما بسبب التعلق الشعبي بالقضية الفلسطينية والدور الروحي للملك كأمير للمؤمنين ورئيس لجنة القدس.

ومع ذلك، فقد كان لهذه الاستراتيجية آثار دبلوماسية: فقد حصلت الرباط على دعم صريح من العديد من أعضاء مجلس الأمن (الولايات المتحدة وإسبانيا وفرنسا والمملكة المتحدة) لإدارتها للأراضي الصحراوية، على الرغم من القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة.

وكما عبّر الشاعر عبد اللطيف اللعبي عن ذلك ببراعة: "المغرب مريض بصحرائه". تعبر هذه العبارة بوضوح عن المركزية شبه المرضية لهذه القضية في السياسة الخارجية والداخلية للمملكة.

ومع ذلك، فإن صعود المغرب إلى السلطة الإقليمية يجري في ظل خلفية من القمع المتزايد، والتضييق على الصحافة، والخصومات الداخلية التي يغذيها ضعف موقف الملك. وتعبير "نهاية العهد" هنا لا يشير إلى خلافة سياسية بقدر ما يشير إلى تباطؤ في عملية صنع القرار وحرب كامنة بين المستشارين النافذين.

ويبقى سؤال جوهري: هل هذه الدبلوماسية الأفريقية، الظاهرة للعيان، مبنية على تأثير حقيقي أم على نشاط ظرفي؟ لقد نأى المغرب بنفسه عن المغرب العربي. ولكن ماذا سيفعل بهذا الاستقلال الذاتي؟

  • الجزائر: السيادة الدفاعية وتراجع النفوذ الجزائري

تعاني الجزائر من عزلة متزايدة رغم تأكيدها على سيادتها. وتفتقر دبلوماسيتها، التي تتمحور حول خصومتها مع المغرب، إلى المبادرة. ولا يترافق دعمها للبوليساريو، الذي لم يتغير منذ عقود، مع استراتيجية بديلة أو مشروع تعبوي للصحراويين.

ويظهر فقدان الجزائر لنفوذها في عدد من المجالات: الانسحاب من منطقة الساحل، وإضعاف دورها في الاتحاد الأفريقي، والتهميش في مواجهة الاتحاد الأوروبي. لا تجد الجزائر صعوبة في أن تكون وسيطًا فحسب، بل إنها ببساطة لم تعد كذلك. فسواء في ليبيا أو مالي أو النيجر، غالبًا ما يتم اتهامها بالتدخل، بل وأحيانًا يتم استبعادها من عمليات الوساطة.

ولم تفلح محاولاتها لتشكيل محور إقليمي بديل (مع تونس وليبيا) في الإقناع. وبقيت موريتانيا بعيدة، ولم تحقق نتائج ملموسة.

لا يزال النظام السياسي الجزائري أسير ماضيه. فالأشخاص الذين يتولون السلطة ينحدرون من جيل عالق في أساليب السبعينيات. لا يوجد مشروع اقتصادي تعبوي، ولا توجد رواية اجتماعية موحدة. فالشباب، وهم الأغلبية في البلاد، على خلاف مع الدولة. ولا يزال الاستبداد مستمراً، ولا يوجد أفق لإعادة ابتكار الحياة السياسية.

والأسوأ من ذلك، يبدو أن الجزائر تتخلى عن مقوماتها الأساسية. فقد تلاشى دورها كوسيط إقليمي. وضعف التزامها بالقضية الفلسطينية. كما أن سياستها الاجتماعية القائمة على إعادة التوزيع، وهي ركيزة شرعيتها التاريخية، آخذة في الانهيار.

وهكذا، أصبحت السياسة الخارجية الجزائرية أقرب إلى رد الفعل منها إلى الاستباقية، وهي عاجزة عن تحويل سيادتها الدفاعية إلى قوة تأثير. ولم يعد الهاجس المعادي للمغرب كافياً لإخفاء الفراغ الاستراتيجي.

  • تونس: الدبلوماسية المجزأة والترابطات المتقاطعة

تتطور تونس ما بعد 25 يوليو 2021 في شكل من أشكال الانسحاب الاستراتيجي، بين السيادة المعلنة وواقع العزلة الدبلوماسية العميقة. فالقصر هو من يدير السياسة الخارجية الآن، دون ضوابط وتوازنات أو خبرات مؤسسية.

إن اعتماد تونس على الجزائر واضح: الغاز، والمساعدات غير الرسمية للميزانية، والنفوذ السياحي (السياح الجزائريون)، والغطاء الأمني. وفي المقابل، تخلت تونس عن حيادها التاريخي بشأن الصحراء الغربية.

كما أن هناك مؤثرات أخرى تلقي بثقلها على المعادلة التونسية: الدعم النشط من الإمارات العربية المتحدة لإعادة توجيه السلطة بشكل استبدادي، وتهميش قطر والشائعات المستمرة عن التغلغل الإيراني. تعكس ألعاب النفوذ هذه، التي لا تزال غير موثقة بشكل جيد، ضعف تونس في سياق أزمة مؤسساتية.

فيما يتعلق بالهجرة، أصبحت تونس مقاولًا متحمسًا من الباطن للسياسة الأوروبية. فإيطاليا، على وجه الخصوص، تمول برامج المراقبة والاحتجاز. وعلى العموم، يغض الاتحاد الأوروبي الطرف عن الانجراف السلطوي التونسي مقابل تشديد الرقابة على المغادرين. ومن الضروري تقديم أرقام عن عمليات الطرد والتمويل والاتفاقيات الأمنية لقياس مدى هذا التفويض الأمني.

إن السيادة المعلنة للرئيس قيس سعيد لا تترجم إلى أي حكم ذاتي حقيقي. إنها قومية لفظية، دون أساس اقتصادي أو دبلوماسي أو شعبي متين. لقد أصبحت الدبلوماسية التونسية غير منتظمة ومرتبطة بالصفقات، دون جذور إقليمية أو أفريقية. وهم القوة يخفي وراءه فقدانًا تامًا للنفوذ.

دبلوماسية الجهاز، دبلوماسية الجهاز، إخلاء التطلعات الشعبية

ما يبرز من المؤتمر الذي نظمه مركز دراسات الديمقراطية وحقوق الإنسان والتنمية البشرية هو مفارقة منطقة في حالة إعادة تركيب دائمة ولكن دون مشروع مشترك. ففي البلدان الثلاثة، تُستخدم السياسة الخارجية لخدمة مصالح الأنظمة والبقاء السياسي، على حساب المصالح الشعبية والتكامل الإقليمي.

أما الطموحات، حيثما وجدت، فهي محدودة: الحصول على اعتراف سبق أن حصل عليه (الصحراء بالنسبة للرباط)، احتواء الخصم (المغرب بالنسبة للجزائر)، الحفاظ على السلطة (تونس). اتحاد المغرب العربي ليس أكثر من بقايا تاريخية. المجتمعات مستبعدة من النقاشات الاستراتيجية. الاستبداد يترسخ. تعمل النخب في دائرة مغلقة.

يصبح السؤال المحوري إذن: لمن ولماذا صممت الدبلوماسية؟ من هي الشعوب المعنية؟ ما هي الشرعية الاجتماعية أو الديمقراطية التي تدعي هذه الاستراتيجيات تجسيدها؟

إن التحدي هائل: إعادة بناء أفق سياسي إقليمي، وإعادة ابتكار أشكال التضامن، وإعادة تأسيس دبلوماسية مغاربية متحررة من الأوامر الخارجية ومتجذرة في التطلعات الشعبية. وهذا يفترض قلب الأولويات: التفكير في الشعوب قبل الأنظمة، والتعاون قبل التنافس، والسيادة الجماعية قبل الولاءات المتقاطعة.

يستند هذا المقال إلى اجتماع "وجهات نظر جيوسياسية حول المغرب العربي" الذي نظمه مركز البحوث والتنمية للديمقراطية وحقوق الإنسان والتكنولوجيا.

شارك هذه المقالة:

مقالات ذات صلة

العودة إلى الأعلى