تدين «اللجنة من أجل احترام الحريات وحقوق الإنسان في تونس» (CRLDHT) بأشد العبارات الأحكام الصادرة في القضية المعروفة باسم «سعدية مصبح»، والتي تكشف عن انحراف مقلق يتجلى في استغلال القضاء، وتبسيط العنصرية، وتزايد قمع المجتمع المدني.
بعد ثلاثة أيام، تمكنت فرق الدفاع أخيرًا من الاطلاع على نص الحكم الابتدائي الصادر عن الدائرة الجنائية بمحكمة تونس. ووفقاً لما نشرته منذ مساء الخميس صفحات ووسائل إعلام موالية للسلطة، حُكم على سعدية مصباح، الناشطة المناهضة للعنصرية ورئيسة جمعية منمتي، بالسجن لمدة إجمالية تبلغ ثماني سنوات، بالإضافة إلى غرامات مالية باهظة:
أصدرت المحكمة في الدرجة الأولى حكمًا بعد استماع الأطراف ضد سعدية مصباح وزياد وريم الجرفي وسليم وأمينة وفارس وإلهام، وحكمًا غيابيًا ضد غفران. وأثبتت المحكمة تهمة غسل الأموال التي ارتكبتها سعادة وزياد وغفران وفارس كعصابة، مستغلين التسهيلات التي توفرها الأنشطة الجمعياتية.
وحكم على سعدية بالسجن لمدة خمس (05) سنوات، مع غرامة قدرها 50 ألف دينار، وعلى كل من زياد وغفران وفارس بالسجن لمدة سنتين (02) مع غرامة قدرها 20 ألف دينار.
كما قضت بثبوت ادانة سعدية وزياد وغفران وفارس وأمينة بتهمة الإثراء غير المشروع. وحكم على سعدية بالسجن لمدة ثلاث (03) سنوات مع غرامة قدرها 61719 ديناراً و500 ملليم، وزياد بالسجن لمدة سنة واحدة مع غرامة قدرها 34113 ديناراً و500 ملليم، وغفران بالسجن لمدة سنة واحدة مع غرامة قدرها 10200 دينار، فارس بالسجن لمدة سنة واحدة مع غرامة قدرها 23665 ديناراً، وأمينة بالسجن لمدة سنة واحدة مع غرامة قدرها 12691 ديناراً و709 مل.
كما أثبتت المحكمة تهمة عدم مسك دفاتر الحسابات بحق سعدية وفارس وزياد وغفران، وحكمت على كل منهم بغرامة قدرها 10 آلاف دينار، مع تحميلهم مصاريف المحكمة.
و قضت المحكمة بعدم سماع الدعوى في حق هبة وأمينة بوكمشة فيما يتعلق بالوقائع المتبقية، وكذلك لصالح إلهام كعواش وسليم سوكني وريم القرفي. مع الااحتفاظ بجميع الوثائق والشيكات والفواتير التي تم حجزها في ملف القضية، فضلاً عن مصادرة المبالغ النقدية المحجوزة لصالح الدولة.
كما قضت المحكمة بحرمان سعدية وفارس وزياد وغفران وأمينة من حق التصويت والترشح لمدة خمس (05) سنوات.
المبلغ الإجمالي للغرامات لكل شخص:
• سعدية: 121,719,500 دينار
• زياد: 64,113,500 دينار
• غفران: 40,200 دينار
• فارس: 53,665 دينار
• أمينة: 12,691,709 دينار
المبلغ الإجمالي الكلي للغرامات (جميع المدانين):
322 389,209 دينار
- ادانتها بأشد العبارات هذه الأحكام القضائية، التي صدرت في سياق ينتهك ضمانات المحاكمة العادلة واستقلال القضاء
- مطالبتها بالإفراج الفوري عن سعدية مصباح وعبد الله سعيد
- دعوتها إلى احترام الحقوق الأساسية، ولا سيما حرية تكوين الجمعيات وحماية المدافعين عن حقوق الإنسان
- دعوتها إلى التعبئة السلمية للدفاع عن سيادة القانون والحريات العامة
وتأتي هذه الأحكام لتختتم إجراءات اتسمت، في جميع مراحلها، بانتهاكات جسيمة لضمانات المحاكمة العادلة، بدءًا من التحقيق الأولي وصولًا إلى مرحلة الاتهام، وهي انتهاكات تم تأييدها دون تصحيح على مستوى محكمة النقض.
وتأتي هذه الأحداث في سياق سياسي متدهور للغاية، يتسم بنشر خطاب معادٍ للأجانب وعنصري في أعلى مستويات الدولة، لا سيما منذ فبراير/فيفري 2023. وفي هذا السياق، تم تدريجياً استهداف نشطاء المجتمع المدني الملتزمين بالدفاع عن حقوق الإنسان، وجعلهم كبش فداء لسياسة قائمة على الخوف والوصم وخلق عدو داخلي.
وقد تمحور هذا الخطاب بشكل خاص حول موضوع «التغيير المزعوم في التركيبة السكانية» للبلاد، وهو أمر تنفيه الحقائق إلى حد كبير، لكنه يُستخدم لتبرير تشديد التجريم ضد المبادرات المجتمعية، ولا سيما تلك التي تُنفذ لصالح المهاجرين من بلدان جنوب الصحراء.
وفي ظل هذه الأجواء، اشتد القمع ضد الفاعلين في المجتمع المدني، في بيئة وصفتها العديد من الهيئات الدولية بأنها تتسم بتراجع الحريات وتزايد الضغوط على المدافعين عن حقوق الإنسان.
وفي الوقت نفسه، ساهمت سياسات الهجرة التي نُفِّذت في إطار الاتفاقات المبرمة مع الاتحاد الأوروبي في تعزيز هذه الديناميكية. ويصاحب نقل مسؤولية مراقبة الحدود إلى الجهات الخارجية زيادة في الضغوط على المنظمات الإنسانية ومبادرات التضامن، التي أصبحت الآن عرضة للملاحقة القضائية والإجراءات القمعية.
في هذا السياق، تبدو قضية سعدية مصباح رمزاً لعملية أوسع نطاقاً تهدف إلى تجريم التضامن والعمل الجمعي، حيث تتلاقى الخطابات السياسية والمنطق الأمني واستغلال القضاء.
الاشارة الى أن وضع سعدية مصباح وعبد الله سعيد، اللذين لا يزالان رهن الاحتجاز، يتناقض مع وضع متهمين آخرين في قضايا مماثلة، حيث تم الإفراج المؤقت عن الغالبية العظمى منهم. ويثير هذا التفاوت تساؤلات جدية حول احترام مبدأ المساواة أمام القانون وغياب أي شكل من أشكال التمييز.
أصبح البعد الدولي لهذه القضية أمراً مؤكداً الآن. فقد أعربت المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بالمدافعين عن حقوق الإنسان عن قلقها ودعت إلى الإفراج عن سعدية مصبح، مشددة على الطابع السلمي لنشاطها في مجال مكافحة العنصرية والدفاع عن حقوق المهاجرين.
وبغض النظر عن الوقائع، تكشف هذه القضية عن تطور مثير للقلق: وهو تطور نظام تتوقف فيه العدالة عن الظهور كقوة موازنة لتصبح أداة للتنظيم السياسي، في سياق تزايد شيوع الخطاب العنصري وتقييد الحريات.
في مواجهة هذا الوضع، تعبر اللجنة من اجل احترام الحريات و حقوق الانسان عن:
تذكّراللجنة من اجل احترام الحريات و حقوق الانسان بأن مكافحة العنصرية والتضامن والدفاع عن حقوق الإنسان لا يمكن تجريمها.
باريس، 25 مارس 2026