tag -->

بعد مرور ثلاث سنوات على توقيع مذكرة التفاهم بين تونس والاتحاد الأوروبي: تجريم التضامن

بعد مرور ثلاث سنوات على توقيع مذكرة التفاهم بين تونس والاتحاد الأوروبي في 16 يوليو 2023، يتضح أن هذه السياسة قد حولت قضية الهجرة إلى أداة قمع، سواء في تونس أو على حدود أوروبا.

وقد قُدمت هذه المذكرة على أنها شراكة استراتيجية قائمة على التعاون والاحترام المتبادل والسيادة التونسية، لكنها تبين أنها في المقام الأول اتفاق لتعهيد الرقابة الأوروبية على الهجرة إلى جهات خارجية. فمقابل الحصول على الدعم السياسي والمالي والمادي والتقني، تم تشجيع السلطات التونسية على القيام بدور حراس حدود الاتحاد الأوروبي، في انتهاك لحقوق المهاجرين الأساسية، والقانون الدولي الخاص باللاجئين، والحريات العامة في تونس.

لا يمثل هذا المذكرة مجرد اتفاق بشأن الهجرة فحسب، بل أصبح أداةً لإضفاء الشرعية السياسية وترسيخ الحكم الاستبدادي. فمن خلال جعل الحد من موجات الهجرة إلى أوروبا الأولوية المطلقة للتعاون، قدّمت المؤسسات الأوروبية إلى الخلفية المبادئ التي تدّعي الدفاع عنها، وهي: حقوق الإنسان، والحريات العامة، واستقلال القضاء، وحرية تكوين الجمعيات.

وتُظهر السنوات الثلاث الماضية أن مراقبة الهجرة لم تُعهد ببساطة إلى دولة ثالثة، بل أُدمجت في نظام أوسع نطاقًا يجمع بين تأمين الحدود، والعنصرية المؤسسية، وقمع المجتمع المدني، وتجريم العمل الإنساني، وإضعاف آليات الرقابة الديمقراطية.

البيان الرئاسي الصادر في 21 فبراير 2023، نقطة التحول

لم يتم التوقيع على مذكرة التفاهم في فراغ سياسي. فقد سبقه البيان الرئاسي الصادر في 21 فبراير 2023، الذي وُصِف فيه المهاجرون القادمون من أفريقيا جنوب الصحراء بأنهم يشكلون تهديداً ديموغرافياً وأمنياً وهوياتياً لتونس.

وقد شكّل هذا الخطاب، الذي تكرر فيه أطروحات نظرية المؤامرة حول «الاستبدال الكبير»، نقطة تحول رئيسية. فقد وفّر غطاءً سياسيًا لخطابات الكراهية والتمييز والعنف العنصري. كما ساهم في تحويل النساء والرجال والأطفال إلى كبش فداء للأزمات الاقتصادية والاجتماعية التي يمر بها البلد.

وقد أدى هذا التصريح، الصادر عن أعلى مستويات الدولة، إلى إعطاء العنان للعنصرية الموجودة أصلاً في المجتمع وتطبيعها. فقد تعرض أشخاص من ذوي البشرة السوداء للاعتداء، وطردوا من مساكنهم، وفُصلوا من عملهم، وحُرموا من وسائل النقل، واستُبعدوا من الخدمات الأساسية، أو أُجبروا على الاختباء. وقد أدى غياب رد فعل فعال ضد هذه الأعمال العنيفة إلى تعزيز تطبيعها وإفلات مرتكبيها من العقاب.

وبدلاً من مكافحة الخطاب العنصري، قامت السلطات بوضعه في صميم سياستها المتعلقة بالهجرة. فقد حلت منطقية الشك والمطاردة والقمع محل النهج القائم على الحقوق. ولم يعد المهاجر يُنظر إليه على أنه صاحب حقوق، بل كتهديد يجب إبعاده أو حبسه أو طرده أو منعه من الوصول إلى أوروبا.

عمليات المداهمة، والترحيل الجماعي، والتخلي عن الأشخاص في الصحراء

منذ عام 2023، لم تتوقف أوضاع المهاجرين من بلدان جنوب الصحراء الكبرى عن التدهور. فقد تزايدت عمليات المداهمة والاعتقالات التعسفية والتهجير القسري ومصادرة الممتلكات والترحيل الجماعي والتخلي عن المهاجرين في المناطق الحدودية.

تم تهجير آلاف الأشخاص قسراً من المدن التونسية إلى الحدود مع ليبيا أو الجزائر، وأحياناً دون ماء أو طعام أو رعاية طبية ودون أي وسيلة للانتصاف. وتعرضت النساء الحوامل والأطفال والقصر غير المصحوبين بذويهم والمرضى وضحايا الاتجار بالبشر للحرارة الشديدة والجوع والعنف والموت.

في يوليو 2026، أشار خبراء مستقلون تابعون للأمم المتحدة إلى احتمال وجود نظام منظم للاحتجاز التعسفي والترحيل الجماعي والاتجار بالبشر على الحدود بين تونس وليبيا. ووفقاً للمعلومات التي أُبلغوا بها، يُعتقد أن أكثر من 7400 شخص من أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى وقعوا ضحية لهذه الممارسات منذ يونيو 2023.

تشير الشهادات التي تم جمعها إلى تعرض الأشخاص للضرب وسوء المعاملة، واستخدام الصدمات الكهربائية والقضبان الحديدية والكلاب، فضلاً عن التهديد بالأسلحة النارية. كما تشير هذه الشهادات إلى عمليات تفتيش مهينة، ومصادرة الهواتف ووثائق الهوية، والحرمان من الطعام، ونقص فرص الحصول على الرعاية الطبية.

كما أعرب خبراء الأمم المتحدة عن قلقهم العميق إزاء التقارير التي تشير إلى ممارسات التعذيب والمعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، وحالات الوفاة أثناء الاحتجاز، وحالات الاختفاء القسري. ودعوا تونس وليبيا إلى إجراء تحقيقات سريعة ومستقلة ونزيهة، وتحديد المسؤولين عن هذه الانتهاكات، وضمان توفير سبل انتصاف فعالة للضحايا.

تشير المعلومات التي تم جمعها إلى أن أشخاصاً تم ترحيلهم من تونس قد تم تسليمهم أو بيعهم إلى جماعات وحراس حدود ليبيين مقابل المال أو الوقود أو المخدرات أو أي أشكال أخرى من الدفع. ويُزعم أن نساءً وفتيات تعرضن للاستغلال الجنسي، في حين أُجبر الرجال على العمل القسري.

لذا، لم يعد الأمر يقتصر على عمليات الإعادة القسرية غير القانونية أو التخلي عن الأشخاص في الصحراء. فالوقائع التي تم الكشف عنها قد تندرج في إطار نظام عابر للحدود حقيقي يستهدف استغلال البشر والاتجار بهم وتحويلهم إلى سلعة.

أربع دعاوى معروضة أمام المحكمة الأفريقية

لأول مرة، تُستدعى تونس للمثول أمام محكمة دولية بشأن الانتهاكات المنهجية التي ارتُكبت بحق المهاجرين على أراضيها.

تم تقديم أربع شكاوى إلى المحكمة الأفريقية لحقوق الإنسان والشعوب من قبل محامين من جمعية الدراسات القانونية حول الهجرة (ASGI) والمحامي التونسي إبراهيم بلقيث. وتتعلق الوقائع المبلغ عنها بالاحتجاز التعسفي، والتعذيب، والترحيل الجماعي، والتخلي عن الأشخاص في الصحراء، وبيع الأشخاص إلى جماعات ليبية، وأعمال العنف المرتكبة أثناء عمليات الاعتراض في البحر.

تصف المسارات الأربعة الموثقة آلية واحدة.

تؤكد مواطنة كاميرونية، كانت قد وقعت ضحية للاتجار بالبشر خلال رحلتها، أنها تم اعتراضها في البحر من قبل الحرس الوطني التونسي في عام 2024، ثم احتُجزت لأكثر من عشرين يوماً في معسكر عسكري يقع في الصحراء. ويُزعم أنها حُبست في قفص نُصب تحت برج كهربائي، وحُرمت من الماء والغذاء بكميات كافية، قبل أن تُسلَّم إلى حرس الحدود الليبيين وتتعرض للعنف الجنسي.

أفاد مواطن إيفواري، كان يحاول دخول تونس في آب/أغسطس 2023 بعد فراره من انعدام الأمن في ليبيا، بأنه تعرض للاعتقال والضرب بالعصا والحزام والسوط، ثم تُرك في الصحراء مع عشرات الأشخاص الآخرين. ويُقال إن اثنين من أفراد مجموعته توفيا جراء الجفاف وارتفاع درجات الحرارة.

يؤكد مواطن غيني، كان قد أبحر مع ستة وأربعين شخصاً آخرين في يوليو 2024، أنه تعرض للضرب والنهب بعد وصوله إلى صفاقس، ثم نُقل قسراً إلى الصحراء. ويقول إنه شاهد حالات اغتصاب لنساء محتجزات قبل أن يُباع إلى مهربي بشر ليبيين، ويُسجن ويعذب حتى دفعت عائلته فديةً.

يؤكد مواطن من سيراليون، نجا من حادث غرق وقع في 5 أبريل 2024 قبالة سواحل صفاقس، أن القارب انقلب عقب مناورة خطيرة قامت بها خفر السواحل التونسي وإطلاق الغاز المسيل للدموع. ويُزعم أن العديد من النساء والأطفال غرقوا أمام عينيه. وبعد أن تم انتشاله وتقييده بالأصفاد وتعرضه للضرب، يُزعم أنه تم التخلي عنه في الصحراء قبل أن يتم القبض عليه ونقله إلى مركز احتجاز ليبي.

ولا تهدف هذه الدعاوى إلى إثبات المسؤولية الجنائية الفردية للجناة بشكل مباشر، حيث إن المحكمة الأفريقية لا تتمتع بهذه الصلاحية. بل تهدف إلى الاعتراف بالمسؤولية الدولية للدولة التونسية عن انتهاكات الحق في الحياة، وحظر التعذيب، والحق في الحرية والأمن، ومبدأ عدم الإعادة القسرية، وحظر الترحيل الجماعي.

كما يطالب المحامون بإجراء إصلاحات هيكلية: تشريعات تتوافق مع الميثاق الأفريقي والقانون الدولي للاجئين، وآليات مستقلة لمراقبة مراكز الاحتجاز، وسبل لحماية الضحايا، ومحاسبة السلطات المعنية، واعتذار رسمي، وآلية لمتابعة تنفيذ أي حكم قضائي محتمل.

يبدو اللجوء إلى المحكمة الأفريقية بمثابة ملاذ أخير للعدالة، حيث غالبًا ما تفتقر الضحايا إلى الوثائق والموارد المالية وأي إمكانية مادية لتقديم شكوى في تونس. وتُظهر صعوبة الوصول إلى العدالة الوطنية حالة الإفلات من العقاب التي يمكن أن تتم في ظلها هذه الممارسات.

ويكتسب هذا الإجراء أهمية خاصة في الوقت الذي اتخذت فيه السلطات التونسية تدابير تجعل الوصول المباشر للأفراد والمنظمات غير الحكومية إلى المحكمة الأفريقية أكثر صعوبة. ويؤدي هذا التراجع إلى تقييد سبل الانتصاف المتاحة للضحايا والمدافعين عن حقوق الإنسان بشكل أكبر.

لا يُستبعد إحالة القضية لاحقًا إلى المحكمة الجنائية الدولية، لكن ذلك سيتطلب عملًا توثيقيًّا يستوفي متطلبات إثباتية عالية للغاية. وبالتالي، يمكن أن تشكل القضايا المرفوعة أمام المحكمة الأفريقية الخطوة الأولى في استراتيجية قضائية أطول أمدًا، تستند إلى جمع الأدلة بدقة والتعاون بين الشبكات الأفريقية والأوروبية.

التضامن الذي تحول إلى جريمة

لم تقتصر السياسات القمعية على استهداف المهاجرين فحسب، بل شملت أيضًا جميع من اختاروا تقديم المساعدة لهم أو توفير المأوى أو الرعاية أو الحماية القانونية أو التضامن معهم.

أصبح التضامن الإنساني جريمة. فقد تحول المدافعون والمدافعات عن حقوق الإنسان، وقادة المنظمات المدنية، والعاملون في المجال الإنساني، والمحامون، وحتى المنتخبون المحليون، إلى مشتبه بهم وأهداف للسلطة.

وهكذا، تعرض العديد من نشطاء المجتمع المدني التونسي للملاحقة القضائية أو السجن أو الإدانة بسبب قيامهم بمهام تتعلق بالمساعدة الإنسانية والدفاع عن كرامة الإنسان.

تمت مقاضاة شريفة الرياحي، المديرة السابقة لجمعية «تونس أرض اللجوء»، في إطار أنشطة الجمعية الرامية إلى دعم المهاجرين واللاجئين.

كما تم إخضاع مصطفى جيمالي وعبد الرازق كريمي، المسؤولين عن المجلس التونسي للاجئين، لإجراءات قضائية أثناء قيامهما بمساعدة اللاجئين والفئات الضعيفة.

حُكم على العمدة السابق لمدينة سوسة، محمد إقبال خالد، ونائبته، إيمن أوارداني، بالسجن لمدة عامين بعد أن أمضيا أكثر من عشرين شهراً في وضع قضائي بالغة الصعوبة. وكانت التهم الموجهة إليهما تتعلق باستقبال المهاجرين وتقديم المساعدة لهم في بلديتهما.

حُكم على سعدية موسبه، رئيسة جمعية «منمتي» وأحد أبرز الشخصيات في مجال مكافحة العنصرية والدفاع عن المهاجرين، بالسجن لمدة ثماني سنوات، وقد أُيدت هذه العقوبة في محكمة الاستئناف. ويشكل هذا الحكم هجوماً خطيراً على العمل الجمعياتي، والنضال ضد العنصرية، والحق في الدفاع علناً عن الفئات الأكثر ضعفاً.

حُكم على عبد الله سعيد، المعتقل منذ نوفمبر 2024، في الدرجة الأولى بالسجن لمدة عام. ويؤدي استئناف النيابة العامة إلى إطالة أمد الإجراءات وإبقاء الضغط القضائي مستمرًا على ناشط ملتزم بالدفاع عن حقوق الإنسان.

من خلال هذه القضايا، فإن الرسالة الموجهة إلى المجتمع المدني بأسره واضحة لا لبس فيها: إن توثيق الانتهاكات، أو إيواء شخص في محنة، أو تقديم المساعدة الإنسانية، أو الدفاع عن ضحية، أو التنديد بعمليات الترحيل الجماعي، قد يؤدي الآن إلى الاعتقال والمثول أمام المحاكم.

وبالتالي، فإن المعدات والتمويل والدورات التدريبية التي تم توفيرها تحت مسمى «إدارة الحدود» لم تقتصر على تعزيز قدرات مراقبة الهجرة فحسب، بل زودت أيضًا سلطة استبدادية بوسائل إضافية لمراقبة المهاجرين ومن يقدمون لهم المساعدة وملاحقتهم وترهيبهم.

هجوم على المجتمع المدني بأسره

يأتي قمع الجمعيات العاملة في مجال الهجرة في إطار حملة أوسع نطاقاً بكثير ضد المجتمع المدني المستقل.

يُورد التقرير الذي نشرته جمعية «إنترسيكشن» في يوليو 2026، والمخصص للانتهاكات المرتكبة ضد الجمعيات بين مايو 2024 ومايو 2026، 88 حالة: 47 انتهاكًا استهدفت الجمعيات والمنظمات، و41 دعوى قضائية ضد مسؤولين أو أعضاء أو ناشطين في الجمعيات. وكان سبعة أشخاص قد صدرت بحقهم أحكام إدانة في الدرجة الأولى، في حين لا تزال الدعاوى القضائية مستمرة ضد 34 آخرين.

يوثق التقرير حالات الاعتقالات وعمليات التفتيش وتفتيش المباني ووقف الأنشطة وتجميد الحسابات المصرفية والملاحقات القضائية بتهم غسل الأموال أو التواطؤ أو المخالفات المالية، فضلاً عن اللجوء المطول إلى الحبس الاحتياطي.

وغالبًا ما تستند هذه الإجراءات إلى خطاب رسمي يساوي بين استقلالية الجمعيات، والتمويل الأجنبي، والتعاون الدولي، من جهة، والخيانة أو التدخل، من جهة أخرى. وتهدف هذه الإجراءات إلى شلّ عمل المنظمات، وإرهاق قادتها، ووقف الخدمات المقدمة للمستفيدين، وفرض رقابة ذاتية شاملة.

كانت الجمعيات التي تعمل في مجال الهجرة من بين أول المتضررين، لكنها ليست الوحيدة. فالمنظمات النسوية، والمناهضة للعنصرية، والانتخابية، والاجتماعية، والاقتصادية، والبيئية، والصحفية، ومنظمات الدفاع عن حقوق الإنسان تتعرض هي الأخرى لأشكال متعددة من الترهيب والرقابة الإدارية أو القضائية.

وبالتالي، فإن المعاملة التي يُلقى بها على المدافعين عن المهاجرين تشكل بمثابة تجربة تجريبية لسياسة أوسع نطاقاً تهدف إلى تضييق المجال المدني.

المسؤولية السياسية والمالية للاتحاد الأوروبي

ولم تكن هذه الحملة القمعية لتصل إلى هذا الحجم لولا الدعم السياسي والمالي والمادي والتقني الذي قدمه الاتحاد الأوروبي وبعض دوله الأعضاء.

من خلال إعطاء الأولوية لتقليل عدد الوافدين إلى الأراضي الأوروبية على حساب احترام حقوق الإنسان، ساهمت المؤسسات الأوروبية في تعزيز نظام أصبح فيه المهاجرون أدوات للتفاوض السياسي.

تشير الدعاوى المرفوعة أمام المحكمة الأفريقية إلى أن الانتهاكات المبلغ عنها أصبحت ممكنة، أو على الأقل تم تسهيلها، بفضل الدعم المادي والتقني والمالي الذي قدمه الاتحاد الأوروبي للسلطات التونسية. وتستند الحجج التي ساقها المحامون إلى مسؤولية تستند في آن واحد إلى تمويل سياسة الحدود وإلى صمت الاتحاد الأوروبي إزاء ممارسات موثقة على نطاق واسع.

وبناءً على ذلك، يطالب المدعون ومحاموهم الاتحاد الأوروبي ودوله الأعضاء بوقف أي تعاون في مجال الهجرة من شأنه أن يسهم، بشكل مباشر أو غير مباشر، في ارتكاب هذه الانتهاكات. ويرون أن تونس لا يمكن وصفها بأنها بلد آمن للمهاجرين، ولا مكاناً آمناً للإنزال بالنسبة للأشخاص الذين يتم إنقاذهم في البحر.

لعبت إيطاليا دوراً محورياً في هذه السياسة من خلال دعمها القوي للتعاون الأمني مع السلطات التونسية، وجعلت الحد من تدفق الوافدين إلى سواحلها هدفاً ذا أولوية في علاقتها مع تونس.

وهكذا أصبحت مراقبة الحدود أولوية على حساب حماية الأشخاص. وتحول البحر الأبيض المتوسط إلى منطقة للمراقبة والاعتراض والترحيل والموت.

كما أن هذه الشراكة قد رسخت علاقةً تتسم بانعدام التوازن الشديد. فقد تحولت تونس إلى منطقة عازلة مكلفة باحتجاز الأشخاص الذين لا ترغب أوروبا في استقبالهم، في حين استغلت السلطات التونسية قضية الهجرة للحصول على الموارد والاعتراف السياسي ومزيد من التساهل تجاه تجاوزاتها الاستبدادية.

64 منظمة تطالب بتعليق التعاون في مجال الهجرة

في 16 يوليو 2026، وهو اليوم الذي صادف الذكرى السنوية الثالثة لتوقيع المذكرة، طالبت ستة وأربعون منظمة دولية معنية بالدفاع عن حقوق الإنسان وتقديم المساعدة الإنسانية، من بينها منظمة العفو الدولية ومنظمة هيومن رايتس ووتش ومنظمة SOS Méditerranée ومنظمة Sea-Watch، الاتحاد الأوروبي بتعليق تعاونه مع تونس في مجال الهجرة على الفور.

وترى هذه المنظمات أن المذكرة قد «أثارت وشرعنت» انتهاكات حقوق المهاجرين. وترى أن إجراءات مراقبة الحدود التي يمولها الاتحاد الأوروبي، ولا سيما عمليات الاعتراض في البحر، تعرض المؤسسات الأوروبية لخطر التواطؤ في ارتكاب انتهاكات جسيمة للقانون الدولي لللاجئين.

وهي تطالب، على وجه الخصوص، بوقف الدعم المقدم لقوات الأمن التونسية المتورطة في عمليات الترحيل القسري وسوء المعاملة والإعادة القسرية واعتراض المهاجرين في البحر.

يمثل هذا الطلب تطوراً مهماً. فهو لم يعد يقتصر على دعوة الاتحاد الأوروبي إلى مراقبة تمويلاته بشكل أفضل أو إضافة بنود تتعلق بحقوق الإنسان، بل إنه يشكك بشكل مباشر في شرعية التعاون في مجال الهجرة واستمراره في إطاره الحالي.

الثمن البشري لما يُسمى بـ«النجاح» الأوروبي

يقدم المسؤولون الأوروبيون بانتظام انخفاض عدد الوافدين إلى السواحل الأوروبية كدليل على نجاح المذكرة.

لكن «هذا النجاح» لا يمكن تقييمه من خلال أرقام الوافدين وحدها. بل يجب قياسه على أساس عدد الأشخاص الذين لقوا حتفهم في البحر أو في الصحراء، والنساء ضحايا العنف الجنسي، والأطفال الذين تُركوا على الحدود، والأشخاص المحتجزين والمعذبين، والحياة المدمرة، والمدافعين عن حقوق الإنسان المسجونين بسبب اختيارهم التضامن.

قد يخفي كل انخفاض إحصائي وراءه عملية اعتقال عنيفة، أو ترحيل قسري، أو احتجاز تعسفي، أو اختفاءً، أو وفاةً لن تُسجَّل أبدًا.

لا يُعد انخفاض عدد الوافدين إلى أوروبا مؤشراً على الحماية. فقد يكون ذلك نتيجة لسياسات تجعل الطرق أكثر خطورة، وتدفع الناس نحو العنف، وتخفي الانتهاكات عن أنظار الرأي العام الأوروبي.

وبذلك، أدى المذكرة إلى نقل الحدود الأوروبية إلى الأراضي التونسية، مع تحويل العنف والمسؤولية إلى سلطات خارجية. فأوروبا تتحكم عن بُعد، وتموّل الآليات، وترحب بالنتائج، في حين يتحمل المهاجرون والمجتمع المدني التونسي التكلفة البشرية والسياسية والقضائية.

التضامن ليس جريمة

بعد مرور ثلاث سنوات على توقيع مذكرة التفاهم، يؤكد المركز الإقليمي لحقوق الإنسان والتضامن (CRLDHT) مجدداً أن التضامن ليس جريمة.

إن مساعدة شخص في محنة، أو تزويده بالماء أو المأوى، أو توفير الدفاع القانوني له، أو توثيق انتهاك ما، أو التنديد بعمليات الطرد الجماعي، أو مكافحة العنصرية، لا تشكل أي تهديد للدولة. فهذه التزامات إنسانية ومدنية وقانونية يجب حمايتها.

تدعو CRLDHT :

  • وضع حد لتجريم المدافعين والمدافعات عن حقوق المهاجرين؛
  • الإفراج عن سعدية موسباح وعبد الله سعيد وجميع الأشخاص المحتجزين أو المحكوم عليهم بسبب نشاطهم الإنساني أو الجمعياتي أو المناهض للعنصرية؛
  • إسقاط الدعاوى المرفوعة ضد مسؤولي الجمعيات، والعاملين في المجال الإنساني، والمسؤولين المحليين المنتخبين، والمدافعين عن حقوق الإنسان؛
  • وضع حد لعمليات المداهمة، والاعتقالات التعسفية، وأعمال العنف، والتخلي عن المهاجرين في الصحراء، وعمليات الترحيل الجماعي التي تستهدف المهاجرين من بلدان جنوب الصحراء الكبرى؛
  • إجراء تحقيقات مستقلة في الادعاءات المتعلقة بالتعذيب، وحالات الاختفاء القسري، والاتجار بالبشر، ونقل الأشخاص إلى ليبيا؛
  • ضمان حصول الضحايا على حق فعلي في اللجوء إلى القضاء، والحصول على التعويض، والحماية؛
  • إنشاء آليات مستقلة لمراقبة أماكن الاحتجاز والعمليات التي تُجرى على الحدود؛
  • الالتزام الصارم بمبدأ عدم الإعادة القسرية والالتزامات الناشئة عن الميثاق الأفريقي لحقوق الإنسان والشعوب، فضلاً عن الاتفاقيات الدولية التي صدقت عليها تونس؛
  • تعليق التمويلات وأشكال التعاون الأوروبية التي قد تسهم في انتهاكات حقوق الإنسان؛
  • مطالبة الاتحاد الأوروبي ودوله الأعضاء بجعل أي تعاون مع تونس مشروطاً بضمانات فعالة وقابلة للتحقق ومستقلة فيما يتعلق باحترام حقوق الإنسان؛
  • الاعتراف بأنه لا يمكن اعتبار تونس بلداً آمناً أو مكاناً آمناً للإنزال ما دامت هذه الانتهاكات مستمرة؛
  • الدفاع عن سياسة هجرة بديلة تقوم على الكرامة والمساواة والعدالة وحرية التنقل والتضامن بين الشعوب.

بعد مرور ثلاث سنوات على توقيع مذكرة التفاهم، تُظهر الحقائق أن الأمر لم يعد يقتصر على سياسة هجرة مثيرة للجدل فحسب. بل إنه نظام يجمع بين «تخويل الحدود الأوروبية للخارج»، والعنصرية المؤسسية، والعنف ضد المهاجرين، وقمع المجتمع المدني، وترسيخ النظام الاستبدادي.

لا يمكن أن يستمر تحويل البحر الأبيض المتوسط إلى حدودٍ تسودها العنف والإقصاء والموت. بل يجب أن يعود ليكون فضاءً للتنقل والتضامن والحرية واحترام حقوق الإنسان.

شارك هذه المقالة:

مقالات ذات صلة

العودة إلى الأعلى