عاد الجدل حول عودة التونسيين المحتجزين في المعسكرات والسجون شمال شرق سوريا إلى الواجهة. هل يجب تركهم هناك؟ أم يجب إعادتهم إلى وطنهم؟ هذا السؤال يقسم الرأي العام، لكن القانون يقدم بالفعل عدة عناصر للإجابة.
يضمن الدستور الحق في العودة: فلا يجوز حرمان أي مواطن من جنسيته، ولا منعه من العودة إلى بلده (المادة 25).
كما أن تونس ملزمة بموجب العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، الذي يحمي حق كل شخص في دخول بلده (المادة 12.4)، وكذلك بموجب الميثاق الأفريقي لحقوق الإنسان والشعوب (المادة 12.2).
من الناحية القانونية، إذن، يحق لأي تونسي العودة إلى تونس.
الصدمة النفسية التي يعاني منها «العرب الأفغان»
في التاريخ المعاصر، عانت الدول والمجتمعات العربية من التجربة المريرة المتمثلة في إعادة «الجهاديين» المزعومين إلى أوطانهم. فقد انطلق هؤلاء المتطرفون لخوض «الحرب المقدسة» بعد أن استغلتهم أجهزة الاستخبارات الغربية ودربتهم لمواجهة الغزو السوفيتي لأفغانستان، ومولتهم بعض دول الخليج.
وقد ساهم هؤلاء، الذين اكتسبوا خبرة في حرب العصابات لكنهم أصبحوا متطرفين بشدة، في ظهور منظمات إرهابية، ولا سيما تنظيم «القاعدة» الذي أسسه أسامة بن لادن. وقد شارك هؤلاء، بدعم لوجستي غربي، في هزيمة الاتحاد السوفيتي في أواخر الثمانينيات، كما ساهموا في تحويل أفغانستان إلى بؤرة للإرهاب الإسلامي.
وقد شكّل عودة بعضهم تجربة قاتمة للغاية بالنسبة لبلدانهم ومجتمعاتهم. فقد نشرت هذه الشبكات أيديولوجية عنيفة تدعو إلى محاربة «العدو القريب» (مجتمعاتهم نفسها التي اعتبروها منحرفة) قبل المواجهة مع «العدو البعيد».
أدت سلسلة من الأحداث الدموية في عدة دول عربية إلى تحويل هذه العودة إلى صدمة حقيقية. وردت الأنظمة بسياسات أمنية متشددة، غالبًا ما ترافقت مع انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان ومبادئ سيادة القانون.
وانضم بعض هؤلاء المقاتلين لاحقًا إلى جبهات أخرى (العراق، الصحراء، سوريا)، في إطار منظمات أكثر تطرفًا، ولا سيما تنظيم داعش.
الإرهابيون، المفاجأة غير السارة للثورة التونسية
بعد أن انخدعت تونس بالصور النمطية التي غالبًا ما تُستخدم للتأكيد على حداثة المجتمع التونسي، وبفكرة السيطرة المزعومة على الظاهرة الإرهابية في عهد بن علي، اكتشفت بعد الثورة حقيقة مختلفة تمامًا. لم يؤد سقوط النظام الاستبدادي إلى تحرير المجال السياسي فحسب، بل كشف أيضًا عن وجود شبكات سلفية متطرفة، كانت لفترة طويلة محصورة أو خاضعة للمراقبة أو مستغلة، لكن لم يتم التعامل معها أبدًا من جذورها.
في سياق ما بعد عام 2011، ظهرت عدة جماعات سلفية متطرفة للعلن واستحوذت على الفضاء العام. فبعضها استولى على المساجد والأحياء الشعبية والجمعيات التي تسمى خيرية وشبكات التواصل الاجتماعي. وأصبحت جماعة «أنصار الشريعة»، التي تأسست بعد الثورة بقيادة أبو إياد، بسرعة رمزاً لهذا الزخم السلفي الجهادي. ينظم التيار تجمعات، ويطور أنشطة الدعوة، ويقوم بتوجيه الشباب المنفصلين اجتماعياً وأيديولوجياً، ويشارك في تهيئة بيئة مواتية للتجنيد في مناطق الصراع.
صنفت السلطات التونسية هذه الجماعة كمنظمة إرهابية في أغسطس/آب 2013، عندما كان علي لارايض وزيرًا للداخلية، وذلك بعد اتهامها بالتورط في أعمال عنف سياسية وأمنية كبيرة، من بينها اغتيال شكري بلعيد في 6 فبراير/شباط 2013، ومحمد براهمي في 25 يوليو/تموز 2013. وشكل هذان الاغتيالان السياسيان نقطة تحول: فقد كشفا أن التهديد الجهادي لم يعد يستهدف الدولة الأمنية فحسب، بل يستهدف أيضًا شخصيات المعارضة والحياة السياسية والعملية الديمقراطية نفسها.
وفي الوقت نفسه، بدأت خلايا مسلحة تتواجد في المناطق الحدودية والجبلية، ولا سيما في جبل شامبي بالقصرين، حيث تشن «كتائب عوكبة بن نافع»، المرتبطة بتنظيم القاعدة في المغرب الإسلامي، هجمات ضد الجيش وقوات الأمن الداخلي. ابتداءً من عام 2012، وبشكل خاص في عامي 2013 و2014، تكاثرت الاشتباكات: الكمائن، والألغام البدائية، والاغتيالات الموجهة، والهجمات على المواقع الأمنية. ودفعت قوات الأمن الداخلي والحرس الوطني والجيش ثمناً باهظاً خلال هذه الفترة.
وتؤكد الأرقام المتاحة هذا التصاعد. فوفقًا لدراسة نُشرت حول الفترة التي أعقبت الثورة، يبدو أن العمليات الإرهابية قد ارتفعتمن عملية واحدة في عام 2011 إلى 4 عمليات في عام 2012، و18 عملية في عام 2013، و23 عملية في عام 2014، ثم إلى حوالي ثلاثين عملية بين عامي 2015 و2016. ويقدر العدد الإجمالي للضحايا خلال الفترة 2012-2016 بنحو 300 ضحية من بين قوات الأمن والجيش، وأكثر من 100 قتيل من بين الجماعات المسلحة، وأكثر من 350 جريحاً.
شهد عام 2015 تحولاً دمويًا بشكل خاص. أسفر الهجوم على متحف الباردو في 18 مارس 2015 عن مقتل 22 شخصًا، منهم 21 سائحًا أجنبيًا وحارس أمن تونسي. وفي 26 يونيو 2015، أودى الهجوم الذي وقع في سوسة - بورت القنطاوي بحياة 38 شخصًا. وفي 24 نوفمبر 2015، أودى هجوم على حافلة تابعة للحرس الرئاسي في تونس بحياة 12 عنصراً. وتُظهر هذه الهجمات تطوراً في الاستراتيجية الإرهابية: استهداف الدولة والقوات المسلحة والرموز السياسية، وكذلك الاقتصاد السياحي والصورة الدولية للبلاد.
في مارس/آذار 2016، أكد هجوم بن قردان، الذي شنته فرقة كوماندوز مرتبطة بتنظيم «الدولة الإسلامية»، حجم الخطر. فقد استهدف المهاجمون منشآت أمنية وحاولوا إقامة بؤرة جهادية على الحدود الليبية. وصدت القوات التونسية الهجوم، مما أسفر عن مقتل 49 مشتبهاً بهم واعتقال 9 آخرين.
في هذا السياق، أصبح عدد الأشخاص الذين يظهرون علناً أيديولوجية متطرفة — باللحى الطويلة، وارتداء القمصان، والخطاب الانفصالي، ورفض السجل المدني — ملحوظاً وبارزاً في الفضاء العام. لكن الجوهر لا يقتصر على هذه العلامات الخارجية: فالأخطر يكمن في تشكيل شبكات للتجنيد والتمويل والعبور والتلقين.
لا تزال الإحصاءات المتعلقة بالمغادرين إلى مناطق النزاع تقريبية، لكنها تعطي فكرة عن حجم الظاهرة. وتتراوح التقديرات بين 3000 و6000 تونسي غادروا إلى سوريا أو العراق أو ليبيا بين عامي 2011 و2014؛ وقد أوردت الأمم المتحدة رقم 5500 على وجه الخصوص في عام 2015، وتبنته وزارة الداخلية التونسية في عام 2016، قبل أن يتم تعديله بالخفض.
هذا التعبئة الجماهيرية الواسعة تضع تونس في مقدمة دول العالم من حيث عدد المقاتلين الأجانب مقارنة بعدد سكانها. وهي تكشف عن أزمة عميقة: اجتماعية وسياسية ودينية وأمنية ومؤسسية. لذا، فإن الثورة لم تخلق الظاهرة الإرهابية، بل كشفت النقاب عن حجمها وشبكاتها وهشاشة استجابات الدولة.
ظاهرة لا تزال غامضة
لا يمكن للتلقين الأيديولوجي والتطرف وحدهما أن يفسرا هذه الظاهرة. فالفقر، والإقصاء الاجتماعي، والجهل، واستغلال الشبكات المنظمة لهذه الظاهرة، كلها عوامل حاسمة أيضًا.
يثير العدد الكبير للمغادرين المتجهين إلى ليبيا وسوريا، غالبًا عبر تركيا، تساؤلات حول احتمال وجود ثغرات داخلية. وقد أُثيرت شكوك حول وجود تسهيلات من داخل بعض أجهزة الدولة، دون أن تتمكن أي تحقيقات جادة من إثبات الحقيقة.
لم يتم تشكيل أي لجنة برلمانية أو إجراء أي تحقيق قضائي معمق لتوضيح هذه الوقائع بشكل كامل. كما أن قيس سعيد، الذي يؤكد رغبته في «إنقاذ» تونس، لم يقدم إجابة واضحة على هذا السؤال، مما أدى إلى استمرار الشعور بالإفلات من العقاب.
يُقال إن وفداً من وزارة العدل قد أُرسل إلى دمشق قبل سقوط النظام السوري السابق، وقام باستجواب بعض المعتقلين. لكن، نظراً لأن الإفادات لم تتطابق مع الروايات المتوقعة، لم يتم تقديم أي طلب لتسليمهم.
في ظل هذه الظروف، ومع وجود سلطة سياسية مثيرة للجدل ونظام قضائي هش، فإن عودة التونسيين من سوريا لا تبعث على الأمل في التوصل إلى توضيح نزيه لهذه القضية في إطار محاكمات عادلة.
لكن العودة لا تعني الإفلات من العقاب: فحق العودة لا يلغي المسؤولية الجنائية
يعاقب القانون التونسي لمكافحة الإرهاب (القانون رقم 26-2015) على ما يلي:
- الانتماء إلى منظمة إرهابية،
- المشاركة في أنشطة إرهابية،
- السفر إلى الخارج لغرض إرهابي.
إذن، فإن الإطار القانوني موجود. ولا تشكل الحصانة القضائية من الولاية القضائية ولا التقادم عائقاً أمام المقاضاة.
يكمن التحدي الرئيسي في الجانب الإجرائي، ولا سيما فيما يتعلق بالأدلة. فقد تم القبض على العديد من الأفراد في ظروف غامضة، وأحيانًا دون إجراءات قضائية، ودون محضر أو أدلة مادية قابلة للاستخدام.
وغالبًا ما تم احتجازهم دون أن تتاح لهم فرصة اللجوء إلى القضاء العادل، مما يعقد بشكل كبير عملية تحديد المسؤوليات، لا سيما فيما يتعلق بأخطر الجرائم.
وقد حاكمت القضاء التونسي بالفعل بعض العائدين من أفغانستان، بالإضافة إلى معتقلين تم تسليمهم من غوانتانامو. لكن الافتقار إلى الشفافية لا يسمح بالقول إن جميع القضايا ستُعالج بطريقة موحدة.
لا تكفي الإجراءات القمعية وحدها للقضاء على هذه الظاهرة.
تطالب بعض الأصوات بسحب الجنسية. لكن الدستور يحظر سحب الجنسية التونسية. وتحويل هؤلاء الأفراد إلى عديمي الجنسية لا يحل أي مشكلة: فهذا لا يحمي تونس ولا المجتمع الدولي، لا سيما في ظل بيئة إقليمية غير مستقرة (ليبيا، منطقة الساحل).
لقد جذب مفهوم «إزالة التطرف» اهتمام العديد من المنظمات والباحثين، لكن النتائج لا تزال محدودة. ويمكن الاستشهاد بالمثال الجزائري، لكنه يندرج في سياق حرب أهلية محددة يصعب مقارنتها. وتتطلب أي استراتيجية فعالة موارد كبيرة في مجالات المتابعة والرصد والوقاية، والتي لا يبدو أن الدولة التونسية قادرة على حشدها بالكامل.
حالة النساء والأطفال
يُعتقد أن عشرات النساء وأكثر من مائة طفل تونسي لا يزالون موجودين في المخيمات السورية، ولا سيما في مخيمي «الحول» و«روج»، في ظروف إنسانية بالغة الصعوبة، تتسم بانعدام الأمن ونقص الرعاية والتعرض المستمر لأشكال العنف والتطرف.
يكرس القانون التونسي المبدأ الأساسي المتمثل في شخصية المسؤولية الجنائية: فكل فرد مسؤول عن أفعاله الخاصة. وهذا المبدأ، المنصوص عليه في الضمانات الدستورية والجنائية، يستبعد أي شكل من أشكال المسؤولية الجماعية. ولا يمكن بأي حال من الأحوال تحميل الأطفال مسؤولية خيارات أو أفعال آبائهم. بل يجب اعتبارهم قبل كل شيء ضحايا — ضحايا النزاعات المسلحة، والتهجير القسري، وكذلك بيئة أيديولوجية واجتماعية حرمتهم من حقوقهم الأساسية.
وبناءً على ذلك، فإن الدولة التونسية ملزمة قانونًا بالتحرك. وبمصادقتها على الاتفاقية الدولية لحقوق الطفل، التزمت تونس بضمان الحماية والمساعدة والرعاية لكل طفل يخضع لولايتها القضائية، بما في ذلك عندما يكون في الخارج. ولا تنطوي هذه الالتزامات على إعادة توطينهم فحسب، بل تشمل أيضًا وضع آليات ملائمة: الدعم النفسي، وإعادة الإدماج المدرسي، والمتابعة الاجتماعية، والحماية من مخاطر الوصم أو التهميش.
أما وضع النساء فيبدو أكثر تعقيدًا ويستدعي اتباع نهج متباين. وقد تمكنت بعضهن من لعب دور نشط داخل هياكل التنظيم، سواء في مجال الدعم اللوجستي أو التلقين الأيديولوجي أو، في بعض الحالات، في أنشطة مرتبطة مباشرة بالجهاز الأمني أو الأيديولوجي. في المقابل، اتبعت أخريات أزواجهن في ظل ظروف من الضغوط الاجتماعية أو العائلية أو النفسية، دون مشاركة مؤكدة في أعمال إجرامية.
وبالتالي، فإن اتباع نهج موحد سيكون غير ملائم من الناحية القانونية ومحفوفًا بالمخاطر من الناحية السياسية. ولا يمكن تحديد المسؤوليات إلا من خلال تقييم فردي يستند إلى أدلة ويحترم ضمانات المحاكمة العادلة. ويجب أن يجمع هذا النهج بين الإجراءات القضائية والرعاية الاجتماعية، وكذلك برامج الانسحاب وإعادة الإدماج، حيثما أمكن ذلك.
وبعيدًا عن الجانب الأمني، فإن معالجة هذه القضية تضع الدولة أمام مسؤولية أكبر نطاقًا، وهي حماية مواطنيها الأكثر ضعفًا واحترام المبادئ الأساسية للعدالة.
خطر استغلال الأمر مرة أخرى
على الرغم من أن الخطاب الرسمي يبدو معارضاً للأفكار المتطرفة، إلا أن خطر استغلالها لأغراض سياسية لا يزال قائماً.
لم يتردد قيس سعيد في التسامح مع بعض التيارات المتطرفة مثل حزب «التحرير»، الذي يدعو إلى العودة إلى الخلافة. ولا يوجد ما يضمن أن عودة هؤلاء المقاتلين لن تُستغل في استراتيجيات سياسية، بل وحتى في إثارة التوترات الداخلية.
في النهاية، الخيار سياسي، لكنه مقيد بالقانون:
- الحق في العودة حق قائم.
- الأعمال الإرهابية هي أعمال يعاقب عليها القانون.
- يجب حماية الأطفال.
- يجب وضع استراتيجية للتخلص من التطرف.
إذن، فإن السؤال الحقيقي هو: هل يفضل الدولة ترك رعاياها في منطقة غير مستقرة أم إعادتهم إلى الوطن لمحاكمتهم وفقًا لقوانينها الخاصة؟
لا يزال الموضوع حساساً. لكن هناك أمر مؤكد: من الناحية القانونية، لا يُعتبر رفض عودة مواطن عقوبة منصوص عليها. أما محاكمته، فهي عقوبة منصوص عليها — ولكن مع توفير جميع الضمانات اللازمة لإجراء محاكمة عادلة.أعلى النموذج
أسفل النموذج