tag -->

تقرير عن الجلسة الأولى من محاكمة ما يسمى بالتآمر على أمن الدولة!

عُقدت أولى جلسات محاكمة عدد من رموز المعارضة وأعضاء بارزين في المجتمع المدني وكبار المسؤولين الحكوميين السابقين المتهمين بـ"التآمر على أمن الدولة" في 4 مارس/آذار 2025 وسط توتر واضح.

منذ البداية، أثارت هذه القضية الانتقادات وأثارت الشكوك حول استخدام النظام القضائي لتصفية حسابات سياسية. وقد زاد حظر النشر الذي فرضته السلطات القضائية من الشكوك حول الرغبة في تكميم المعلومات والتحكم في الرواية الرسمية. ومع فتح المحاكمة أمام الجمهور، بدأت قشرة التعتيم في التصدع لتكشف عن إدارة قضائية تبدو وكأنها إنتاج مدبر بمهارة.

التأجيل الإستراتيجي وإسكات أصوات السجناء

اختارت المحكمة اللعب على الوقت بتأجيل الجلسة حتى 11 أبريل/نيسان 2025، مع رفضها طلبات المتهمين بإخلاء سبيلهم. يؤكد هذا الرفض القاطع الخط المتشدد الذي تبنته السلطات ويغذي الفرضية القائلة بأن المحاكمة كانت مصممة لاستعراض القوة مع الحكم المكتوب مسبقًا وليس كممارسة نزيهة للعدالة.

التعبئة خارج المحكمة

وبعيدًا عن الاستسلام، خرج أهالي المعتقلين والنشطاء والشخصيات السياسية إلى شوارع المحكمة للتنديد بما اعتبروه استهزاءً بالعدالة. وكان في قلب سخطهم قرار وزارة العدل بفرض المثول عن بُعد، وهو ما اعتبروه مناورة تهدف إلى تحييد المتهمين وتخريب دفاعهم. وهتف المتظاهرون برفضهم للعدالة التي يتم التحكم فيها عن بعد وطالبوا بالإفراج عن السجناء السياسيين، منددين بمحاكمة مفصلة على المقاس تهدف إلى القضاء على المعارضة.

جلسة استماع في ظل توتر شديد

كانت الأجواء في القاعة رقم 6 في المحكمة الابتدائية بتونس العاصمة مشحونة. فقد حضر صحفيون ودبلوماسيون وناشطون وأكثر من 100 محامٍ، بمن فيهم نقيب المحامين السابق في باريس.

ومنذ البداية، انفجر أقارب المعتقلين غاضبين من غياب المتهمين، الذين كان حضورهم الجسدي ضرورياً لانتظام المحاكمة. وأجبرت الاضطرابات القاضي على تعليق الجلسة لفترة وجيزة، في إشارة إلى المناخ المتفجر.

وعند استئناف المحاكمة، ندد السيد العروسي، نقيب المحامين بتونس، بالمحاكمة عن بعد، واصفاً إياها بالحيلة الفجة التي تهدف إلى حرمان المتهمين من حق أساسي في المواجهة المباشرة مع قضاتهم ومتهميهم.

لم يتوقف الاحتجاج عند هذا الحد. فقد استنكر شيماء عيسى، أحد المتهمين في القضية، نظام العدالة غير المادي، في حين رفض جوهر بن مبارك، المحتجز في سجن المرناقية المثول عن بعد. وقد استنكر الدفاع على الفور غياب أي دليل رسمي على هذا الرفض، متسائلا عما إذا كان ذلك محاولة متعمدة لإقصاء المتهمين من المحاكمة.

وارتفعت أصوات أخرى: ندد العياشي الهمامي بمهزلة العدالة، في حين أعرب رياض الشعيبي عن إصراره على أن يحاكم في ظروف كريمة، وليس من خلال شاشة السجن.

واتخذت القضية منحى أكثر إثارة للقلق مع قضية الصحبي عتيق الذي تم رفض حضوره الذي لم يكن ليوقع عليه أبدًا. وللتعويض عن نقص الأدلة، لجأت السلطات إلى شهادة سجناء القانون العام الذين كان من المفترض أن يشهدوا على رفضه - وهي ممارسة محيرة ومشكوك فيها قانونيًا.

وقال سيد فرجاني في بيان له، متحدثًا من زنزانته، إن المحاكمة كانت مهزلة، مستنكرًا لائحة الاتهام المليئة بالتناقضات والتلاعبات.

أما بالنسبة لكمال لطيف، فقد كشف محاميه أمين محفوظ أنه لم يتم إبلاغه حتى بالمحاكمة عن بعد، وهو ما يشكل انتهاكاً صارخاً لحقوق الدفاع.

محكمة بموجب أوامر، إجراء فاشل

  • محاكمة صورية: يعتبر إجراء المحاكمة عن بعد مناورة فجة تهدف إلى حرمان المتهمين من حقهم في الكلام وتحييد تأثير دفاعهم أمام الرأي العام.
  • الانتهاك الواضح لمبدأ افتراض البراءة: ساعدت التغطية الإعلامية المتحيزة للقضية على تشويه صورة المتهم، مما أدى إلى تدمير أي ادعاء بالعدالة النزيهة.
  • قضاة بمهارات مشكوك فيها: كشف المحامي أمين بوكار أن نائب رئيس المحكمة ليس لديه خبرة في مجال الإرهاب، مما يثير الشكوك حول شرعية المحكمة ذاتها.
  • عدالة تحت الوصاية: ندد المحامي سمير ديلو بحقيقة مزعجة: الأمر بإجراء المحاكمة عن بعد لم يصدر من القاضي، بل من إدارة المحكمة، وهو تدخل فاضح ينم عن سطوة السلطة التنفيذية على العدالة.

هل ستظهر الحقيقة أخيراً؟

بعد أشهر من التعتيم، تم أخيرًا رفع حظر النشر عن قضية المؤامرة. والأمر متروك الآن للصحافة المستقلة - التي هي في حالة سيئة للغاية - لفضح الجوانب الغامضة لهذه القضية، بعيدًا عن كتاب التحرير المطيعين وأصحاب الرأي الذين يتلقون الأوامر.

ما هي الخطوة التالية؟ ما هو على المحك في جلسة الاستماع التالية

  • ومن المتوقع أن تؤدي معركة الحضور المادي للمتهمين إلى مزيد من الاستقطاب في الإجراءات.
  • إن تكثيف الضغوط الوطنية والدولية قد يجبر السلطات على تخفيف قبضتها على المعتقلين.
  • قد يكشف انفتاح وسائل الإعلام على تغطية القضية عن مناورات جديدة للتلاعب القضائي.
  • ستكون جلسة الاستماع في 11 أبريل 2025 اختبارًا حقيقيًا لمدى استعداد السلطات للذهاب إلى أي مدى يمكن أن تذهب إليه السلطات لإبقاء هذه المحاكمة مغلقة.

المحاكمة التي تتجاوز مجرد قضية قضائية بسيطة

لم يعد لقضية "المؤامرة على أمن الدولة" علاقة بالعدالة: فقد أصبحت علامة على حالة التدهور العام في تونس. فكل قرار قضائي، وكل مناورة إجرائية، وكل استعراض إعلامي للقوة يرسم ملامح بلد ينحرف فيه القانون تحت ضربات سلطة استبدادية. إن مستقبل المحاكمة لن يحدد مصير المتهمين فحسب، بل سيحدد مصير العدالة التونسية ككل، ومصير تونس كدولة وبلد مستقل.

رسم تخطيطي من إعداد زينة مجري

شارك هذه المقالة:

مقالات ذات صلة

العودة إلى الأعلى