tag -->

عندما تعيق التأشيرات عمل المجتمع المدني

تثير الإجراءات الإدارية المرهقة، التي تصل إلى حد رفض منح التأشيرة، استياءً شديدًا وقلقًا عميقًا بشأن تطور ظروف تنقل نشطاء المجتمع المدني.

هناك العديد من الشخصيات الملتزمة والمحترمة والناشطة منذ زمن طويل التي تعمل على تعزيز الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، وترسيخ العدالة الاجتماعية، وتقوية الديناميات الديمقراطية. ومن هذا المنطلق، تكتسب مشاركتهم في منتديات التفكير والتبادل الدولية أهمية خاصة.

وقد تمت دعوتهن رسمياً إلى دول الاتحاد الأوروبي للمشاركة في ندوات أو لقاءات مخصصة لمناقشة القضايا المعاصرة، وتأتي مشاركتهن في إطار نهج قائم على الحوار وتبادل الخبرات وبناء الحلول بشكل جماعي. إن حرمانهن من دخول الأراضي الأوروبية لا يشكل عائقاً أمام حرية التنقل فحسب، بل يمثل أيضاً انتهاكاً فعلياً للمبدأ الأساسي المتمثل في حرية تبادل الأفكار والمعارف.

وهذه الحالة ليست بحالها حالات فردية. فقد لوحظت خلال الأشهر الأخيرة العديد من الإجراءات الإدارية المعيقة، التي وصلت إلى حد رفض منح التأشيرات لنشطاء المجتمع المدني والباحثين والفنانين والناشطين، بل وحتى الشخصيات الملتزمة، مما يعكس تشديداً واضحاً في إجراءات إصدار التأشيرات.

وينبغي تذكير سلطات البلدان المعنية بأن هذه القرارات، التي غالبًا ما تُبرر بالخوف من إساءة استخدام التأشيرة لأغراض طلب اللجوء، تستند إلى منطق موسع وغير شفاف. ويؤدي هذا المنطق إلى المساواة بشكل خاطئ بين الأشخاص المعروفين، المدعوين في إطار رسمي والذين يتمتعون بضمانات قوية، وحالات الهجرة غير النظامية

كما يجب تذكير هذه السلطات بأن الأشخاص المعنيين يتمتعون بارتباط مؤسسي ومهني راسخ في بلدانهم الأصلية، فضلاً عن دعوات رسمية ومحددة الشروط. وإخضاعهم لإجراءات مرهقة ومتطفلة وغالباً ما تكون غير شفافة، ثم رفض طلباتهم، هو بمثابة إثارة شكوك غير مبررة تجاههم.

إلى جانب القيود الإدارية، تنطوي هذه الممارسات على بعد مُهين للغاية. فهي تعرض الشخصيات المعروفة لأشكال من الشك الضمني، وتجبرهم على تبرير شرعيتهم بشكل مفرط، وتُضعف كرامتهم. وهكذا، وراء صرامة اللوائح الإدارية، تظهر تجربة يُنظر إليها على أنها تُحرمهم من أهليتهم وتُهين كرامتهم.

يؤدي هذا التطور عملياً إلى تضييق مجالات الحوار، لا سيما بين مجتمعات المدنية في الشمال والجنوب، رغم أنها ضرورية للتفاهم المتبادل ووضع استجابات مشتركة. كما أنه يضعف بشكل دائم ديناميكيات التبادل، ويقلص فرص التعاون الفكري والنشاطي، ويعرقل الجهود الرامية إلى التصدي الجماعي للتحديات العالمية، سواء كانت اجتماعية أو بيئية أو سياسية.

في سياق تتطلب فيه التحديات العابرة للحدود الوطنية — ولا سيما الأزمات المناخية، والتفاوتات الاجتماعية، والتوترات الجيوسياسية — اتباع نُهج متضافرة ومنفتحة وشاملة، فإن مثل هذه الممارسات تُرسل إشارة تبعث على القلق بشكل خاص بشأن مدى صدق سياسات الانفتاح والشراكة.

يبدو من الضروري الشروع في مراجعة عاجلة ومعمقة لممارسات إصدار التأشيرات، من أجل ضمان وصول عادل وشفاف وغير تمييزي إلى التنقل الدولي لأفراد المجتمع المدني والناشطين والشخصيات المشاركة في النقاش العام والبحث والدفاع عن الحقوق.

والهدف من ذلك هو الحفاظ على الشروط الضرورية لوجود فضاء حوار دولي يتميز بالحرية والتعددية والشمولية حقاً.

شارك هذه المقالة:

مقالات ذات صلة

العودة إلى الأعلى