tag -->

قضية الطيب راشد الاستثنائية والمثيرة للمفارقات

  1. وقائع القضية ومحتواها في المرحلة الابتدائية

كان الطيب راشد، الرئيس الأول السابق لمحكمة التعقيب التونسية (2019) والمحامي العام السابق بمحكمة الاستئناف بتونس، هو البطل الرئيسي في نزاع حظي بتغطية إعلامية كبيرة ومتابعة دقيقة منذ عام 2020. وقد أدانته المحكمة الابتدائية بتونس في 27 أكتوبر 2025 بعدة تهم، من بينها الفساد.

عندما فحص المجلس الأعلى للقضاء (المجلس الأعلى للقضاء) ملفًا تأديبيًا يتعلق باثنين من القضاة، اكتشف أنهما مجرد منفذين - "سمكة صغيرة". ثم قرر المجلس الأعلى للقضاء أن يأمر بإجراء تحقيق تأديبي وتحقيق قضائي آخر لكشف النقاب عن مرتكبي شبكة الفساد القضائي.
وكانت هذه نقطة البداية لما أصبح يعرف باسم "قضية النقض دون إحالة".

اشتُبه في أن الرئيس الأول لأعلى هيئة قضائية، الطيب راشد، قد تدخل - عندما كان محامياً عاماً - لصالح رجال أعمال في قضية جنائية ذات رهانات اقتصادية كبيرة. وزُعم أنه أثر على الإجراءات حتى يتم إغلاق القضية بالنقض دون إحالة، مقابل دفع مبالغ مالية كبيرة، مما ألحق ضرراً كبيراً بالدولة.

هذه الوقائع لم تكن سوى الشجرة التي تخفي الغابة: يقال إن الطرف المعني دبر آلية إجرائية تذكرنا بـ"الممر" في زمن بن علي، من خلال إنشاء غرفة نقض بتركيبة غير قانونية (القاضيان المحكوم عليهما تأديبيا في بداية القضية كانا عضوين فيها)، والتي أصدرت أحكامها "بطلب" من الطيب راشد.

وكشفت التحقيقات عن وقائع وأفعال أخرى تنطوي على عقوبات جنائية مشددة.

  1. التسلسل الزمني للأحداث الرئيسية 
  • 23 يونيو 2019: تنظر المفتشية العامة لوزارة العدل في قضية تنطوي على مخالفات إجرائية في عدة قضايا نقض دون إحالة.
  • نوفمبر 2019: تقدم المفتشية العامة تقريرًا أوليًا أوليًا يؤكد وجود تجاوزات ومخالفات خطيرة.
  • نوفمبر 2019: إحالة القضية رسميًا إلى مكتب المدعي العام لفتح تحقيق جنائي.
  • سبتمبر 2020: فتح ملف التحقيق وطلب رفع الحصانة عن الرئيس الأول لمحكمة النقض، الطيب راشد، في سبتمبر 2020.
  • نوفمبر 2020: الرفع الفعلي للحصانة من قبل المجلس الأعلى للقضاء.
  • ديسمبر 2020: تجميد عضوية الطيب راشد في المجلس الأعلى للقضاء.

تمثل هذه السلسلة من الأفعال انتقال القضية من الإجراءات التأديبية إلى الإجراءات الجنائية، مما يمهد الطريق لإجراء تحقيقات متعمقة وإجراءات قانونية تُوِّجت بالحكم الصادر في 27 أكتوبر 2025.

  1. جزء المنطوق من الحكم الصادر في 27 أكتوبر 2025

وقد أدين المتهمون، كل حسب دوره، بتهم الفساد والإثراء غير المشروع، والتزوير في محررات عمومية، وإساءة استغلال الوظيفة، وغسل الأموال، واستعمال وثائق مزورة.

وأدين كل من عبد الرزاق بحوري ومروان التليلي بتهم التزوير في محرر عمومي، والفساد السلبي، وتكوين جمعية أشرار بغرض الإثراء غير المشروع، والوساطة في الفساد.

وكانت أحكام السجن ثقيلة: فقد حُكم على الطيب راشد بالسجن لمدة ثلاثين عاماً تقريباً.
كما صدرت عقوبات إضافية: غرامات مالية كبيرة، ومصادرة حسابات وسندات ملكية الأراضي، ودفع مبلغ قياسي بالتضامن والتضامن بمبلغ قياسي يزيد عن 935 مليون دينار للدولة كتعويض، على أن يتم دفعه فوراً.

  1. السياق القضائي والمؤسسي: سلطة قضائية تحت الوصاية الرئاسية 

ورغم أن الأدلة المنشورة والمعلنة ضد الطيب راشد والمتهمين الآخرين دامغة، إلا أن ذلك لا ينبغي أن يحجب حقيقة - أو بالأحرى حقيقة - أنهم لم يحصلوا على محاكمة عادلة.

ومهما كانت الإدانة واضحة، فإنها لا يمكن أن تحرم المتهم من حقوقه الأساسية. فالمحاكمة العادلة، على الرغم من أنها منصوص عليها في دستور قيس سعيد، أصبحت مستحيلة في السياق الحالي.

منذ 25 يوليو 2021، أصبح القضاء التونسي منذ 25 يوليو 2021 هدفًا منهجيًا للرئيس الذي انتزع جميع الصلاحيات لنفسه بموجب مرسوم فوق دستوري رقم 117/2021، ثم بموجب دستور صاغه بنفسه.

في فبراير 2022، صدر المرسوم التشريعي رقم 11/2022 بحل المجلس الأعلى للقضاء المنتخب، واستبداله بمجلس مؤقت يعين رئيس الجمهورية أعضاءه. وأُلغي القانون الأساسي الذي كان يحكم المجلس.

في يونيو 2022، عزز المرسوم بقانون رقم 35/2022 السلطة الرئاسية: يمكن للرئيس الآن عزل أي قاضٍ دون أي إجراء تأديبي أو خصومة مسبقة. تتم محاكمة القاضي المعزول تلقائيًا، دون إمكانية الاستئناف قبل المحاكمة.

وفي نفس الليلة، تم فصل 57 قاضيًا. ولم تُحترم قرارات المحكمة الإدارية بتعليق هذه الإقالات، وكذلك الحكم المؤقت الصادر عن المحكمة الأفريقية لحقوق الإنسان الذي أمر بتعليق هذه الإقالات.

وقد أدى تشويه الرئيس العلني والتهديدات المتكررة للقضاة إلى خلق مناخ من الرعب. ومن أجل السيطرة عليهم بشكل أفضل، فشل في تعيين أعضاء جدد في المجلس الأعلى للقضاء، الذي يفتقر الآن إلى النصاب القانوني.
وتتم الآن عمليات النقل والترقية بمذكرات بسيطة من وزير العدل، حسب مدى انصياع المعنيين بالأمر.

في ظل هذه الظروف، فإن استقلال القضاء يتعرض للخطر بشكل لا يمكن إصلاحه. ويصبح كل متهم، منذ البداية، ضحية انتهاك حقوقه الأساسية.
وهكذا تتحول "الحرب ضد الفساد" التي يقودها قيس سعيد إلى مصنع للضحايا: فالمتهمون الحقيقيون يصبحون ضحايا نظام قضائي غير شرعي، مما سيؤدي إلى تقويض أي استعادة لسيادة القانون في المستقبل.

  1. خلفية القضية وسير القضية 

ربما لم تكن قضية الطيب راشد لتظهر إلى العلن لولا يقظة مجلس القضاء الأعلى المنتخب، الذي كشف عن جبل جليدي حقيقي من الفساد.
ومع ذلك، لم يكن المجلس، ولا سيما مجلس القضاء الأعلى، مجمعاً على هذه القضية المثيرة للانقسام الشديد.

وعلى الرغم من وجود أدلة مقنعة، لم يتم إيقاف الطيب راشد عن مهامه كرئيس أول لمحكمة النقض حتى 20 أغسطس 2021، مما ساهم في إضعاف المجلس.
ومع ذلك تمسك رئيسه يوسف بوزخير وبعض الأعضاء بصرامة لضمان إجراء تحقيقات جدية.

وينبغي أيضاً تسليط الضوء على الدور الحاسم الذي لعبه المدعي العام في المحكمة الابتدائية بتونس، الذي كشف تحقيقه عن أدلة دامغة ضد الطيب راشد.

كانت هذه القضية غير مسبوقة من أكثر من ناحية. فقد كانت المرة الأولى في تاريخ تونس :

  • محاكمة الرئيس الأول الحالي لمحكمة النقض بتهمة الفساد (ثلاث محاكمات جنائية);
  • أن يتم رفع الحصانة عن الرئيس الأول لمحكمة النقض;
  • أن يتم إيقافه عن العمل كعضو في المجلس الأعلى للقضاء مع استمراره في رئاسة محكمة النقض ;
  • أن يستمر في ممارسة مهنته ريثما يتم رفع الحصانة عنه وإعلان إيقافه;
  • أن تحظى قضية جنائية وتأديبية تتعلق بقضاة الصلح على هذا المستوى بهذا القدر من الاهتمام الإعلامي;
  • أن يظهر الرئيس الأول لمحكمة النقض في برنامج تلفزيوني ليدافع عن براءته على قناة مملوكة لمستفيد مزعوم من الفساد;
  • أن تؤدي مسألة ما إلى انقسام مجلس المحافظين المنتخب إلى هذا الحد، حيث يتم اتخاذ بعض القرارات بتصويت واحد فقط.

وقد أعطى نشر لائحة الاتهام والوثائق الموجودة في ملف القضية (سندات الملكية، وعقود الشراء بأسعار زهيدة) للقضية بعدًا جديدًا.

V. تحليل نقدي: التناقضات والتجاوزات 

كما أدت أساليب الدفاع التي اتبعها الطيب راشد إلى تضخيم القضية. فقد قام بتوثيق التجاوزات والمخالفات التي ارتكبها زملاؤه، والتي تستر عليها هو نفسه، من أجل ابتزازهم في حال الاختلاف. لقد فرض حظرًا معممًا.

وتمثل دفاعه في تسييس القضية، حيث اتهم بشير العكرمي بالإرهاب والتواطؤ مع حركة النهضة، وحشد الدعم السياسي والإعلامي لها، وحول القضية إلى مبارزة إعلامية بين راشد والعكرمي.

أما القضاة الذين نددوا بالمعاملة التفضيلية الممنوحة لراشد، فقد تم استهدافهم بدورهم كما استهدف حمادي رحماني صاحب اللوائح والعرائض التي تطالب بإيقاف الرئيس الأول.

ومن المفارقات أنه في 30 أكتوبر/تشرين الأول 2025، مثل رحماني أمام غرفة الاتهام في محكمة تونس العاصمة بتهمة القذف بعد شكوى من الطيب راشد.
رفض نظام قيس سعيد طلبه وهو الآن يتعرض لهجوم قضائي بسبب دفاعه عن استقلالية القضاء.

ومن التناقضات الأخرى المصير الذي لقيه بشير العكرمي، المدعي العام لدى محكمة تونس العاصمة، والذي تؤكد إدانته لراشد نزاهته بالفعل.
تعرض للاضطهاد والتعذيب والاعتقال التعسفي، وكان العكرمي من أوائل من كشف عن الجرائم المنسوبة لراشد.

ولا يجد قضاء قايد سعيد غضاضة في إدانة الطيب راشد بالفساد بينما يحاكم حمادي رحماني بسبب إدانته بالفساد نفسه.
وهذا شكل من أشكال العدالة التي تنكر عملية الخصومة وتكرس التناقض.

  1. التوصيات والدروس المستفادة 
  2. ضمان استقلالية السلطة القضائية
    • استعادة المجلس الأعلى للقضاء المنتخب والمستقل بضمانات دستورية.
    • إلغاء المرسومين بقانونين 11/2022 و35/2022 اللذين وضعا السلطة القضائية تحت السلطة المباشرة لرئيس الجمهورية.
  3. ضمان الحق في محاكمة عادلة
  1. إعادة العمل بالضمانات الإجرائية الأساسية (المحاكمة الحضورية والعلنية وحق الدفاع).
  2. وضع حد للعدالة الخاصة والأحكام الصادرة تحت تأثير سياسي.
  3. حماية القضاة والمبلغين عن المخالفات
  1. إعادة تأهيل القضاة المفصولين تعسفيًا وتعويضهم.
  2. حماية القضاة والمحامين والمدعين العامين الذين يدينون الفساد أو يدافعون عن سيادة القانون.
  3. إصلاح مصداقية النظام القضائي
  1. نشر الأحكام الصادرة في قضية الطيب راشد والقرارات ذات الصلة بالكامل لاستعادة ثقة الجمهور.
  2. إنشاء لجنة مستقلة للتدقيق في قرارات محكمة النقض منذ عام 2018.
  3. منع "مصنع الضحايا
  1. إدراك أن مكافحة الفساد لا يمكن أن تكون ذات مصداقية إلا في إطار سيادة القانون.
  2. رفض أي استخدام للنظام القضائي لتصفية الحسابات السياسية.

الخاتمة 

حاشا لله أن تكون "عدالة" قيس سعيد عادلة.
تكشف قضية الطيب راشد بكل تعقيداتها عمق الفساد وإفلاس النظام القضائي تحت الوصاية السياسية.
هذه نقطة تحول تاريخية يجب أن تكون بمثابة تحذير وأساس لإصلاح ديمقراطي للنظام القضائي التونسي.

شارك هذه المقالة:

مقالات ذات صلة

العودة إلى الأعلى