شغلت قضية المؤامرة ضد أمن الدولة الرأي العام التونسي والدولي منذ أكثر من سنتين الرأي العام التونسي والدولي. ورغم الحظر الذي فرضه قاضي التحقيق على التغطية الإعلامية للقضية، إلا أن هذه القضية القضائية هي الأهم منذ انقلاب قيس سعيد على الرئيس التونسي المخلوع بالنظر إلى ملامح المتهمين الذين يضمون قيادات سياسية بارزة وأحزابا سياسية معارضة لقيس سعيد، ونشطاء من المجتمع المدني ورجال أعمال وآخرين لا يجمعهم في الظاهر أي شيء. لقد دأب النظام القضائي التونسي، الذي جاء به قيس سعيد ووزيرة العدل ليلى جفال، على انتهاك مبادئ وقواعد الإجراءات الجزائية والحقوق الأساسية للمعتقلين، كما أشارت إلى ذلك المحكمة الأفريقية لحقوق الإنسان والشعوب في حكمها بشأن التدابير المؤقتة في القضية 04/2023.
إن الاحتجاز التعسفي، كما وصفه الفريق العامل التابع لمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة بوضوح، على جميع الأسس، خاصة بعد تجاوز المدة القصوى للحبس الاحتياطي بموجب المادة 85 من قانون الإجراءات الجنائية، لم ترفضه دائرة الاتهام أو محكمة النقض، رغم معارضة الدفاع الذي صرخ بفضيحة غياب أي عنصر قانوني أو واقعي يميز الجرائم الإرهابية الخطيرة المنسوبة لموكليهم، أو أي دليل.
محاكمة غير قانونية من البداية
اتسمت بداية المحاكمة أمام الدائرة الجنائية الخامسة بالمحكمة الابتدائية بتونس بخرقين فادحين يجعلان المحاكمة غير قانونية وعرضة للإبطال بموجب قانون الإجراءات الجزائية من أساسها.
الأول هو عدم شرعية تشكيلة الغرفة الجزائية الخامسة، التي تم نقل رئيسها واستبداله بمذكرة بسيطة من وزير العدل، وهو ما يتعارض مع أحكام دستور 2022، الذي صاغه قيس سعيد نفسه, والمرسوم الرئاسي بقانون 11/2022 المتعلق بالمجلس الأعلى للقضاء الذي يمنح صلاحية نقل أو تعيين القضاة إلى المجلس المختص، وهو في هذه الحالة مجلس القضاء الأعلى، وفقًا للقانون العضوي لمكافحة الإرهاب. وقد فضل وزير العدل إعادة إحياء نص تم إلغاؤه عدة مرات - القانون العضوي رقم 67-29 المؤرخ في 14 جويلية 1967 المتعلق بتنظيم القضاء والمجلس الأعلى للقضاء ووضعية القضاء - الذي ألغاه القانون العضوي رقم 2016-34 المؤرخ في 28 أفريل 2016 في مادته 78. تلغي المادة 30 من المرسوم بقانون رقم 11/2022 المؤرخ في 12 فبراير 2022 المتعلق بإنشاء المجلس الأعلى للقضاء المؤقت، الذي يلغي أيضا القانون المذكور أعلاه، صلاحية وزير العدل في نقل أو تعيين قاض، حيث أوكلت هذه الصلاحية إلى المجلس المختص.
أما الانتهاك الثاني، الذي يتعارض أيضاً مع الضمانات الدستورية لاستقلالية القضاء، فهو القرار الذي اتخذه رئيس المحكمة الابتدائية بتونس والنائب العام الملحق بالمحكمة - الذي هو عادة طرف في الإجراءات - الذي دفع بوجود خطر داهم يبرر عقد جلسة الدائرة الجنائية الخامسة عن بعد للموقوفين. وقد استند هذا القرار إلى المادة 141 مكرر من قانون الإجراءات الجزائية، وهو نص إشكالي خالفه رئيس المحكمة أيضاً.
أولاً، تم إصدار هذا النص خلال الفترة الاستثنائية لجائحة كوفيد-19 بموجب مرسوم بقانون حكومي بالمعنى المقصود في المادة 73 من دستور 2014، والتي تتطلب عرض مثل هذه المراسيم بقوانين على مجلس نواب الشعب للموافقة عليها بمجرد استئناف عمله. ومع ذلك، لم يتم عرض هذا المرسوم بقانون على مجلس نواب الشعب للتصويت عليه، مما يجعله لاغياً وباطلاً.
ثانيا، تخول المادة 141 مكررا الدائرة الجنائية التي أسندت إليها القضية سلطة اتخاذ قرار عقد جلسة الاستماع عن بعد من مقر السجن للسجناء. وهذا قرار إجرائي يجب أن تتخذه الدائرة بعد مراعاة الإجراءات المنصوص عليها في المادة، ولا سيما التماس رأي كل سجين ومحاميه وكذلك رأي المدعي العام، على أساس كل حالة على حدة حسب القضية. وهذا ليس قراراً إدارياً. وعلاوة على ذلك، رفع الدفاع دعوى أمام المحكمة الإدارية ملتمساً إلغاء قرار رئيس المحكمة والمدعي العام، وطلب وقف التنفيذ ووقف التنفيذ بإجراءات موجزة من الرئيس الأول للمحكمة الإدارية، الذي لم يستجب للطلب بعد مرور أكثر من شهر، مما يدل على صمته المتواطئ مع السلطة التنفيذية.
وأخيرا، لا ينبغي أن ننسى أن هذا النوع من المحاكمات لا يفي بمعايير المحاكمة العادلة. ويمكن التسامح معه في الجرائم الأقل خطورة، شريطة أن يكون هناك خطر حقيقي. ولكن تطبيقه على الجرائم التي يعاقب عليها بالإعدام هو انتهاك لحق المتهمين في محاكمة عادلة.
من جلسة استماع عن بُعد إلى جلسة استماع في جلسة استماع مغلقة
لم تكن الجلسة الثالثة كسابقاتها. فقد تم التضييق على عائلات المعتقلين ومُنعوا من الحضور، حيث سُمح بحضور فرد واحد فقط من عائلة كل معتقل. كما مُنع الصحفيون من الحضور، باستثناء صحفي واحد يفسر الخط التحريري لصاحب العمل هذه المعاملة التفضيلية. كما لم يتمكن مراقبو المجتمع المدني والداعمون وممثلو الوفود الدبلوماسية من الحضور هذه المرة. حتى أن بعض المحامين تعرضوا للمضايقات ومُنعوا من دخول قاعة المحكمة التي أغلقتها الشرطة.
كما استنكر محامو الدفاع، الذين أكدوا رفض موكليهم حضور الجلسة عن بعد، عدم الإعلان عن الجلسة، رغم أن الدائرة التي تنظر القضية لم تقرر أو تبرر هذا القرار الأمني الذي ينتهك حق الشعب التونسي في الإعلام بعد رفع الحظر عن التغطية الإعلامية للقضية، كما استنكروا عدم وجود أي مبرر أمني لهذا القرار الذي ينتهك حق الشعب التونسي في الإعلام.
عقد المؤتمرات عبر الفيديو، ولكن أسيء استخدامها
في الوقت الذي تجاهلت فيه الدائرة الجنائية الخامسة بعناد جميع الاعتراضات والتظلمات التي أثارها الدفاع ضد قرار رئيس المحكمة الابتدائية بتونس ووكيلها العام - الذي فرض على الدائرة المعنية والمعتقلين عقد الجلسات الثلاث عن طريق التداول بالفيديو - تجاهلت تماما الطلب الذي تقدم به متهمان في الخارج للاستماع إليهما عن طريق التداول بالفيديو، عملا بالمادة 73 من قانون مكافحة الإرهاب. وتسمح هذه المادة لرئيس الدائرة المعنية بالاستماع إلى الشهود والمتهمين عن طريق التداول بالفيديو عندما تقتضي مصلحة العدالة ذلك. غير أن الدائرة الخامسة لم تعتبر أن من الضروري الاستماع إلى المتهمين الذين لم يستمع إليهم قاضي التحقيق أو الضباط الذين عينهم قاضي التحقيق، والذين يمكن أن يواجهوا عقوبة الإعدام بالتهم الموجهة إليهم.