عُقد مؤتمر "لقاء" في 9 أبريل/نيسان على خلفية الاختناق الاقتصادي والانحراف السلطوي، وجمع بين اثنين من علماء السياسة هما حمزة المؤدب وميشال العياري لمناقشة الأزمة المالية وانفجار الدين العام في تونس. وهدفت المناقشة إلى فك رموز الدوافع الاقتصادية والسياسية والاجتماعية للأزمة الحالية، مع التشكيك في حوكمة الرئيس قيس سعيد وقدرة الدولة التونسية على إصلاح نفسها. وقد تمحور النقاش حول سؤالين أساسيين: كيف يمكن تفسير تصاعد الصعوبات الاقتصادية؟ وهل يمكن إصلاح تونس في مواجهة المآزق الهيكلية التي تعاني منها؟
لا يتعلق الأمر بالاقتصاد فقط، بل بالديمقراطية والسيادة الشعبية والعدالة الاجتماعية. فالخيارات الاقتصادية التي اتخذتها السلطات الحالية، وخاصةً قيس سعيد، ليست محايدة. فهي تعكس رؤية للعالم - استبدادية، مبهمة ومركزية - وتنم عن تجاهل مقلق للحقوق الأساسية.
عندما يتحول الدين العام إلى سلاح سياسي ضد الشعب
يشير حمزة المؤدب إلى أن الدين ليس شرًا في حد ذاته: إنه أداة سياسية. المهم هو كيفية استخدامه. فوضع بلد ما في الدين لبناء المستشفيات، أو تعزيز التعليم العام أو ضمان السيادة الغذائية هو خيار مختلف جذريًا عن وضعه في الدين لسداد الدائنين أصحاب الامتيازات أو الحفاظ على نظام في السلطة. فالديون هي خيار للمجتمع، وهذا الخيار اليوم هو خيار التراجع الاجتماعي وتدمير الخدمات العامة وتزايد انعدام الأمن لأفقر الناس.
وعاد إلى التطور التاريخي للنموذج الاقتصادي التونسي، الذي بدأ ينفد زخمه في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين. فبعد فترة من النمو المعتدل في السبعينيات، أعقبها انتعاش في التسعينيات (الحديث عن "المعجزة الاقتصادية")، كانت فترة العقد الأول من القرن الحادي والعشرين فترة ركود. وتميز عقد 2010 بتوالي الصدمات (الإرهاب، وجائحة كوفيد-19، والحرب في أوكرانيا)، مما أدى إلى تفاقم نقاط الضعف الهيكلية: تراجع التصنيع، وانهيار السياحة، وانخفاض إنتاج الطاقة، وتراجع الاستثمار العام والخاص.
واليوم، وصلت البلاد إلى طريق مسدود. فالنمو المحتمل منخفض للغاية (1% بحلول عام 2029)، والاستثمار ينهار (11.2% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2024)، والدين العام آخذ في الانفجار. وقد وصل الدين العام المركزي إلى 84% من الناتج المحلي الإجمالي، وتجاوز الدين المحلي 70 مليار دينار. ويعكس اللجوء الهائل إلى الدين المحلي عزلة البلاد المالية الدولية، والتي تفاقمت بسبب فشل المفاوضات مع صندوق النقد الدولي.
رأسمالية المحسوبية وتمويل السلطة
كما سلط المؤدب الضوء على الدور المختل للنظام المصرفي التونسي، حيث تدعم ثلاثة بنوك عامة بشكل رئيسي المؤسسات العامة الخاسرة. ويهيمن على القطاع الخاص عدد قليل من الشركات القابضة العائلية التي تركز الجزء الأكبر من التدفقات الاقتصادية وتسيطر على العديد من البنوك وتتمتع بامتيازات في الحصول على الائتمان. وبدلاً من الاستثمار في الاقتصاد الحقيقي، تفضل هذه المجموعات شراء الدين العام، لتصبح الدائنين الرئيسيين للدولة التي لا مصلحة لها في إصلاحها. ونتيجة لذلك، ومنذ عام 2021، أصبحت الحكومة التونسية، المنقطعة عن التمويل الدولي وبدون استراتيجية اقتصادية واضحة، مدينة للجهات الفاعلة الوطنية الخاصة.
تخلق أمولة السلطة هذه حلقة مفرغة: فالدولة تستدين لاحتواء الآثار الاجتماعية للأزمة (التضخم، وانخفاض الأجور الحقيقية، وتدهور الخدمات العامة)، وفي الوقت نفسه تخنق القطاع الخاص، مما يكبح أي انتعاش اقتصادي.
كاïسعيد واقتصاد بلا رأس
وتحت ستار السيادة، يفرض قيس سعيد رؤية استبدادية وتكنوقراطية للسلطة، دون تقديم أدنى بديل ذي مصداقية. فهو يرفض الإصلاحات والشراكات الدولية، لكنه لا يقدم أي استراتيجية اقتصادية ملموسة.
ومن خلال رفضها لصندوق النقد الدولي دون اقتراح بديل ذي مصداقية، فإنها تعزل تونس أكثر وتزيد من اعتمادها على الدائنين المحليين. هذا "سيادة بلا سيادة" يحكم على البلاد بالعزلة السياسية وعدم القدرة على تمويل مستقبلها، ويشهد نمو الشعبوية التي تغذي انعدام الثقة.
هل تونس دولة غير قابلة للإصلاح؟
ألقى مايكل العياري نظرة أكثر مباشرة على مسألة قابلية الدولة التونسية للإصلاح. فبينما قد يكون النظام قد تغير بعد عام 2011، إلا أن الدولة نفسها - بهياكلها وثقافتها الإدارية وعلاقتها بالقانون - ظلت ثابتة. فالبيروقراطية تعيق أي محاولة لتحقيق اللامركزية أو المشاركة الحقيقية للمواطنين. فالنظام الحالي ليس استبداديًا بالمعنى التقليدي، ولكنه يعمل وفقًا لمنطق إلغاء المؤسسات، مما يزيد من إضعاف قدرة الدولة على الفعل.
فالقانون التونسي مُستغل، ويُستخدم لإسكات ومعاقبة ومنع الحريات، بدلًا من ضمان الحريات. وهو يعزز حالة عدم اليقين القانوني، مما يعيق كل أشكال التنمية. وتحول المركزية الشديدة والبيروقراطية الثقيلة واستمرار المحسوبية دون ظهور أي إصلاح. وفي هذا السياق، يستند الحكم في هذا السياق إلى منطق السيطرة أكثر من استناده إلى إنتاج المنافع العامة.
ينتقد العياري الرؤية التجارية والريعية للاقتصاد، دون القطيعة مع منطق الإقصاء الإقليمي والمديونية المبهمة والاقتصاد الريعي. ويلاحظ غياب خطاب سيادي متماسك وذي مصداقية، في وقت لم تكن فيه الحاجة إلى الغذاء والطاقة والأمن الاجتماعي ملحة إلى هذا الحد.
الخلاصة: ما هي البدائل؟
سلّط المؤتمر الضوء على حجم الأزمة الاقتصادية التي تعاني منها تونس، ولكن أيضًا على الحاجة إلى ابتكار بدائل مستدامة وتحترم حقوق الإنسان. إن الخروج من المأزق الحالي لا يتطلب فقط إصلاحًا هيكليًا للدولة، بل يتطلب أيضًا تغييرًا عميقًا في الأولويات الاقتصادية، والقطع مع منطق الريع والتبعية. وهذا يعني إعادة توجيه الديون نحو الاستثمارات المفيدة، وإعادة النظر في العلاقة بين الدولة ومواطنيها، وإعطاء معنى جديد للسيادة الاقتصادية بهدف تحقيق العدالة الاجتماعية.