tag -->

من مكافحة الفساد إلى هجرة رجال الأعمال: تونس تواجه أزمة ثقة

في مقال مدعوم بوثائق وافية نُشر في 29 يونيو 2026 تحت عنوان «بين المصالحة الجنائية والمنفى في الخارج... أين ذهب رجال الأعمال التونسيون؟»، https://tunisie-telegraph.com/news-tunisie-%d8%a3%d8%ae%d8%a8%d8%a7%d8%b1-%d8%aa%d9%88%d9%86%d8%b3/%d8%a8%d9%8a%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%b5%d9%84%d8%ad-%d8%a7%d9%84%d8%ac%d8%b2%d8%a7%d8%a6%d9%8a-%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%87%d8%b1%d9%88%d8%a8-%d8%a7%d9%84%d8%ae%d8%a7%d8%b1%d8%ac/?fbclid=IwZnRzaASvRLBleHRuA2FlbQIxMQBzcnRjBmFwcF9pZAo2NjI4NTY4Mzc5AAEeQFHGrYUKrZhH6pvR6mwuhJLUA5X9jsMmsdz2hVgTebQvltt4cLtD0BSamrQ_aem_R_l_Q-RNFKmAHMxh6MQ2Sg

تقدم صحيفة «تونس تيليغراف» تقييمًا مثيرًا للقلق: فمع قيام السلطات بإعادة إطلاق عملية المصالحة الجنائية، لا يزال عدد رجال الأعمال الذين اختاروا الاستقرار خارج تونس في تزايد مستمر. ويُظهر التحقيق أن العديد من المديرين التنفيذيين استقروا في الإمارات العربية المتحدة أو فرنسا أو المغرب أو في بلدان أخرى، في حين يمثل آخرون أمام المحاكم أو يُحتجزون أو يحاولون التفاوض لتسوية أوضاعهم القانونية.

يدعو هذا التحقيق إلى تجاوز مجرد سرد القضايا القضائية المتتالية لطرح سؤال أكثر جوهرية: كيف وصل بلد كان يسعى، بعد الثورة، إلى إصلاح اقتصاده، إلى أن يشهد رحيل جزء من أولئك الذين يخلقون الثروة؟

يرتبط هذا التساؤل ارتباطًا مباشرًا بتقرير اللجنة الوطنية للتحقيق في قضايا الفساد والاختلاس، التي ترأسها الأستاذ عبد الفتاح أمور، والذي قُدم في نوفمبر 2011. وقد أعدت هذه الوثيقة التأسيسية للمرحلة الانتقالية جردًا شاملاً لنظام الفساد المنظم في عهد بن علي. وقد أحصى التقرير ما يقرب من 11 ألف شكوى، وفحص أكثر من 5 آلاف ملف ، وأحال أكثر من 400 قضية إلى القضاء. كما حدد التقرير آليات الاستغلال التي سمحت للعشيرة الرئاسية ودائرة محدودة من رجال الأعمال المتميزين بالاستيلاء على جزء كبير من الاقتصاد الوطني.

وقد استند قيس سعيد في مشروعه الخاص بـ«المصالحة الجنائية» إلى هذا التقرير، مؤكداً أن 460 رجل أعمال مدينون للدولة بما يقارب 13,5 مليار دينار، يمكن استردادها لتمويل مشاريع تنموية في المناطق المهمشة.

وفي هذا السياق، أدى أعضاء اللجنة الوطنية للمصالحة الجنائية، في 12 مارس 2024، اليمين أمام كايس سعيد، مما أشار إلى الانطلاق الرسمي لهذه الآلية التي تُعتبر إحدى الأدوات الرئيسية لاسترداد الأموال العامة. وبعد مرور أكثر من عامين، لا يزال رئيس الدولة يؤكد أن «أبواب المصالحة» تظل مفتوحة أمام من يرغبون في تسوية أوضاعهم.

ومع ذلك، يبدو أن الواقع الذي نشهده اليوم يبتعد تدريجيًا عن الهدف الأصلي.

لم تعد الإجراءات القضائية تقتصر على المستفيدين المعروفين من نظام بن علي فحسب. بل أصبحت تشمل الآن مديري شركات ينتمون إلى أجيال وقطاعات ومسارات مهنية متنوعة للغاية، وقد طور الكثير منهم أنشطتهم بعد الثورة. ومن خلال مقارنة القضايا التي تم الكشف عنها منذ عام 2021، يمكن تقدير أن ما يقرب من 150 رجل أعمال، أو مديري مجموعات خاصة، أو رؤساء شركات، قد تأثروا بشكل مباشر بعمليات الاعتقال، أو الحبس الاحتياطي، أو الملاحقات الجنائية، أو حظر السفر، أو مصادرة الممتلكات، أو المغادرة إلى الخارج. ولا يدعي هذا التقدير أنه شامل، لكنه يعطي فكرة عن حجم ظاهرة أصبحت هيكلية.

أصبحت هذه المفارقة واضحة الآن. ففي الوقت الذي تدعو فيه السلطات رجال الأعمال إلى العودة للتوصل إلى مصالحة مع الدولة، يختار عدد متزايد منهم، على العكس من ذلك، نقل إقامتهم أو استثماراتهم أو أنشطتهم إلى دبي أو باريس أو الدار البيضاء أو غيرها من المراكز الاقتصادية التي يُعتبر أنها أكثر أمانًا.

هجرة صامتة

تشهد تونس منذ عدة سنوات ظاهرة نادراً ما يتم تحليلها بكل أبعادها: الرحيل التدريجي لجزء من كبار رجال الأعمال فيها.

تستضيف الإمارات العربية المتحدة وفرنسا والمغرب والكويت ودول أخرى الآن العديد من الشخصيات البارزة في عالم الأعمال التونسي.

تتنوع الحالات. فهناك من يخضعون لإجراءات قضائية. وهناك من صدرت بحقهم أحكام بالإدانة في المحكمة الابتدائية قبل أن يتم تبرئتهم في محكمة الاستئناف. وهناك آخرون لم تصدر بحقهم أبداً أحكام نهائية، لكنهم يفضلون انتظار تطور الوضع السياسي قبل التفكير في العودة.

لا تعبر هذه الحركة فقط عن رغبة قلة قليلة في الإفلات من العدالة، بل إنها تكشف قبل كل شيء عن أزمة ثقة عميقة في استقرار الإطار القانوني والاقتصادي.

عندما يتحول عدم اليقين إلى خطر اقتصادي

كان من المفترض أن تتيح المصالحة الجنائية تسوية بعض النزاعات مع ضمان استرداد المبالغ المستحقة للدولة. غير أن هذه العملية ظلت إلى حد كبير غير مكتملة.

وفي الوقت نفسه، تزايدت الإجراءات القضائية الموجهة ضد رؤساء الشركات، وتم تمديد فترات الحبس الاحتياطي، وبلغت العقوبات المالية في بعض الأحيان مستويات لم يسبق لها مثيل.

في ظل هذه الظروف، لم يعد المستثمرون يتساءلون فقط عن المبالغ التي قد يضطرون إلى سدادها. بل أصبحوا يتساءلون عن مدى إمكانية التنبؤ بالقواعد، واستقلالية القضاء، والأمن القانوني لاستثماراتهم.

بالنسبة للاقتصاد، غالبًا ما تكون حالة عدم اليقين أكثر تدميرًا من العقوبة نفسها.

السجون تمتلئ، والاستثمارات تتلاشى

وفي الوقت نفسه، يوجد اليوم العديد من الشخصيات البارزة في القطاع الخاص قيد الاحتجاز أو تخضع للملاحقة القضائية في قضايا تتعلق بالفساد المالي وغسل الأموال والمشتريات العامة.

تُعد قضايا مروان مبروك، ورضا شرف الدين، ونجيب بن إسماعيل، وماهر شعبان، وحبيب حواس من بين القضايا التي حظيت بأكبر تغطية إعلامية.

وقد أُفرج عن رجال أعمال آخرين مقابل كفالات مالية بلغت في بعض الأحيان عشرات الملايين من الدينارات، ومن بينهم: حاتم شابوني، وأحمد عبد الكفي، وعبد العزيز مخلوفي، وعبد الرحيم زواري، وكذلك حسين ديغلاوي.

تُظهر هذه القضايا حجم الإجراءات القضائية المرفوعة ضد أوساط الأعمال التونسية.

كما تُظهر هذه الحالات أن الحد الفاصل بين العدالة الجنائية، والتسوية المالية، والتفاوض مع الإدارة يصبح أحيانًا صعب التمييز.

اقتصاد يعاني من نقص الثقة

المشكلة تتجاوز بكثير الحالات الفردية. فمنذ عدة سنوات، تشهد الاستثمارات الخاصة ركوداً. كما أن الاستثمارات الأجنبية المباشرة آخذة في التراجع. ويقوم رواد الأعمال الشباب بتأسيس شركاتهم خارج تونس. وتُنشئ الشركات الناشئة مقراتها الرئيسية في الخارج. ويتردد الصناعيون في إطلاق مشاريع جديدة.

لذا، فإن المسألة الحقيقية لا تقتصر فقط على قضية رجال الأعمال المتهمين. بل هي مسألة الثقة. والثقة تستند إلى ثلاثة عناصر أساسية:

  • عدالة مستقلة ويمكن التنبؤ بها؛
  • إدارة مستقرة؛
  • قواعد اقتصادية واضحة ومستدامة.

وعندما تضعف هذه الركائز الثلاث، تتجه رؤوس الأموال بطبيعة الحال نحو آفاق أخرى.

لا يمكن للمصالحة أن تنجح دون سيادة القانون

يمكن النظر إلى إعادة تفعيل لجنة المصالحة الجنائية على أنها محاولة لإحياء عملية لم تكلل بالنجاح حتى الآن. غير أن فعاليتها ستتوقف على قدرتها على العمل ضمن إطار يحترم الضمانات القضائية. وبشكل أعم، لا يمكن أن يعتمد استعادة ثقة المستثمرين على هذه الآلية وحدها.

لا يبحث رجال الأعمال فقط عن إمكانية التفاوض على تسوية مالية، بل يبحثون قبل كل شيء عن الأمان القانوني.

إنهم يريدون التأكد من أن القواعد لن تتغير تبعاً للظروف السياسية، وأن الإجراءات القضائية ستحترم ضمانات المحاكمة العادلة، وأن الأحكام القضائية ستصدر عن محاكم مستقلة تماماً.

إنها ليست مجرد هجرة رجال الأعمال، بل هجرة الثقة

يُعد رحيل العديد من رجال الأعمال اليوم مؤشراً على أزمة أعمق بكثير من مجرد أزمة عالم الأعمال. وهو جزء من اتجاه أوسع نطاقاً تشهد فيه تونس فقدان جزء من قوتها الحيوية تدريجياً.

إلى جانب المستثمرين الذين يختارون توسيع أنشطتهم في دبي أو باريس أو الدار البيضاء، هناك الأطباء والباحثون والمهندسون والأكاديميون وكبار المسؤولين الإداريين، فضلاً عن آلاف الخريجين الشباب — وعدد متزايد من الشباب ذوي المؤهلات المحدودة — الذين يغادرون البلاد كل عام بحثاً عن فرص لم يعودوا يجدونها في وطنهم.

هذه السلسلة من الاستقالات ليست من قبيل الصدفة. فهي تعكس فقدانًا مشتركًا للثقة في المستقبل، وفي المؤسسات، وفي قدرة البلد على توفير بيئة تحظى فيها المبادرة والجدارة والعمل بالحماية والمكافأة.

لذا، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في إقناع عدد قليل من رجال الأعمال بالعودة إلى الوطن، بل في إعادة بناء بيئة سياسية وقانونية واقتصادية واجتماعية تتيح لرواد الأعمال والباحثين والأطباء والمديرين التنفيذيين والطلاب والعاملين الشباب استعادة الأسباب التي تدفعهم إلى الإيمان ببلدهم وبناء مستقبلهم فيه.

يمكن أن تعود رؤوس الأموال. ويمكن إعادة تنشيط الاستثمارات. ويمكن أحيانًا استقطاب الكفاءات المقيمة في الخارج. لكن عندما تتآكل الثقة بشكل دائم، فإن العقد نفسه بين الدولة ومواطنيها هو الذي يصبح هشًا. وهذه الثقة هي، بلا شك، المورد الذي يستغرق إعادة بنائه أطول وقت ويكون أصعب في إعادة بنائه.

شارك هذه المقالة:

مقالات ذات صلة

العودة إلى الأعلى