العنف والبنية الخطابية والحلول الشعبوية
شكّل صيف وخريف 2025 نقطة تحول في ديناميكية الاحتجاجات التونسية. ففي ثلاثة أشهر فقط - يوليو/تموز وأغسطس/آب وسبتمبر/أيلول - تم تسجيل 1316 تحركاً احتجاجياً، وهو ما يعادل تقريباً ضعف عدد التحركات في نفس الفترة من عامي 2023 و2024.
شهد شهر سبتمبر/أيلول وحده 653 تحركاً احتجاجياً، وهو رقم قياسي منذ بداية العام.
واتخذت هذه الاحتجاجات أشكالاً متعددة، لا سيما على الأرض (82%): اعتصامات وإضرابات ومسيرات سلمية وحواجز طرقات وإضرابات عن الطعام وحتى تجمعات أمام القصر الرئاسي. وأصبحت شبكات التواصل الاجتماعي الساحة الأخرى للاحتجاج، حيث انتشرت مقاطع الفيديو والصور والبيانات التي تندد بفشل النموذج السياسي والاقتصادي الذي فرضه قايد صالح.
على الجبهة الاجتماعية، لا تزال التعبئة متفاوتة إلى حد كبير: 1,164 نشاطًا مشتركًا، 129 منها بقيادة الرجال و23 بقيادة النساء.
أسباب الغضب الوطني
ويمكن تفسير هذه الموجة من الاحتجاجات بمجموعة من العوامل السياسية والاجتماعية والرمزية.
في شهر سبتمبر/أيلول، تزامنت عدة تحركات مع انطلاق أسطول الحرية المتضامن مع فلسطين من شمال أفريقيا والعالم، للمطالبة بإطلاق سراح النشطاء التونسيين الذين اعتقلهم الجيش الإسرائيلي. في الوقت نفسه، احتدمت المواجهة بين السلطات والحركة النقابية: نظم الاتحاد العام التونسي للشغل مسيرة وطنية كبرى في 21 أغسطس/آب 2025، من ساحة محمد علي إلى شارع الحبيب بورقيبة.
وتجري هذه الاحتجاجات في مناخ ينتهج فيه نظام قيس سعيد سياسة القمع المنهجي للمعارضين السياسيين والصحفيين والمدافعين عن حقوق الإنسان. وقد أدى المرسوم 54، الذي أصبح أحد الأدوات الرئيسية لهذا القمع، إلى إسكات العديد من الأصوات، المرئية وغير المرئية على حد سواء.
إلا أن جذور المشكلة في تونس أعمق من ذلك.
فالسكان يواجهون شعوراً بخيبة الأمل والخيانة الجماعية. فقد أدت سياسات النظام الاقتصادية والاجتماعية إلى انعدام الأمن والبطالة الجماعية وانهيار الخدمات العامة وتفاقم نقص المياه. ويدفع صغار المزارعين والنساء والأطفال ثمناً باهظاً للظلم البيئي والاجتماعي الذي أصبح هيكلياً ورمزاً لأيديولوجية شعبوية بلا أفق.
يُضاف إلى ذلك إغلاق المنفذ الأخير: الهجرة.
الحراقة التي كانت طريق الهروب النهائي أصبحت سرابًا في مواجهة الإجراءات الأمنية المشددة التي تفرضها أوروبا. وقد أدت هذه السياسة المشتركة إلى خنق الاقتصادات المحلية القائمة على التجارة عبر الحدود - على الجانبين الليبي والجزائري. حتى التهريب من أجل البقاء، الذي كان مسموحًا به في السابق، أصبح الآن مجرمًا.
على هذه الخلفية من الاختناق الاجتماعي، انتهى الأمر بالتقاء جميع الطبقات والمناطق في البلاد في سلسلة جديدة من النضالات التي تبلورت حول رمز: التعبئة في قابس في أكتوبر 2025.
قابس: الغضب الشعبي يصدع الخطاب الشعبوي
كشفت دراسة أجريت في المدرسة الوطنية للمهندسين بصفاقس أن الفوسفوجيبسوم، وهو منتج ثانوي للصناعة الكيميائية، يحتوي على مواد سامة ومشعة. ووفقًا للمفوضية الأوروبية (2018)، فإن المجمع الكيميائي التونسي يلقي 5 ملايين طن من هذه النفايات في البحر الأبيض المتوسط سنويًا، وهو ما يمثل 40,000 متر مكعب من التصريفات السامة يوميًا.
وعلى الرغم من هذه البيانات الدامغة، اختارت الحكومة إنكارها.
بإزالة الفوسفوجيبسوم من قائمة النفايات الخطرة، داس قيس سعيد على العلم ضاربًا عرض الحائط بالاحتجاجات البيئية والتحذيرات العامة. يوضح هذا الاختيار المنطق الاستخراجي والريعي: استغلال وقح للمناطق (قابس، قفصة، الرديف...) لصالح الشركات المرتبطة بالمصالح العابرة للحدود الوطنية، بينما يغرق السكان المحليون في التلوث والبؤس.
شرارة الثورة
وصل كل شيء إلى ذروته في قابس في 10 أكتوبر/تشرين الأول 2025، عندما أدى تسرب الغاز من المجمع الكيميائي إلى تسمم العديد من التلاميذ في ثانوية شط السلام. كان هذا الحادث، بعيدًا عن كونه حادثًا غير مسبوق، بمثابة مفجر للغضب المكبوت.
في 21 أكتوبر/تشرين الأول، توقفت المدينة عن العمل بإضراب عام شبه شامل، مدعومًا بتعبئة مشتركة بين الأجيال والنقابات العمالية والمجتمعية.
تمكنت الحركات البيئية التي كانت حاضرة منذ عام 2011 من تحويل هذه الأزمة إلى لحظة تأسيسية للمقاومة الجماعية.
الهجوم الشعبوي المضاد
وفي مواجهة هذا الحراك، كان رد فعل النظام هو الازدراء والخوف.
ووصفت وسائل الإعلام الموالية له والكتاب الموالون لسعيد الحراك بأنه مدبر وممول من الخارج ومسيس.
بل إن المتحدث باسم الحرس الوطني حسام الدين الجبابلي ذهب إلى حد الحديث على شاشات التلفزيون عن "تدخل أجنبي" و"تورط قاصرين تم التغرير بهم من قبل قوى خارجية".
في الوقت نفسه، اشتد قمع الشرطة والقضاء سعياً لتحويل تعبئة المواطنين إلى مجرد "حادث أمني".
كسر جدار الخوف
ولكن هذه المرة، لم تصمد الرواية الرسمية.
التعبئة في غابس :
- كسر خطاب الخوف والتآمر المستخدم لاستبعاد أي تحدٍ;
- استعادة الشجاعة المدنية بكسر حاجز الصمت المفروض منذ 25 يوليو 2021 ;
- جمع كل القوى الاجتماعية حول الاتحاد العام التونسي للشغل الإقليمي، محور الحركة;
- بدأ يظهر خطاب بديل قائم على العقل والعدالة والبيئة;
- تلقى دعمًا كبيرًا من المواطنين والجمعيات في تونس وخارجها.
في اليوم السابق للإضراب، عقد البرلمان جلسة خاصة حول قضية قابس، أعقبها اجتماع بين قيس سعيد ورئيسة حكومته، سارة الزعفراني.
مرة أخرى، أعاد الرئيس تدوير نفس المعجم الشعبوي:
"شبكات الفساد"، "المتآمرون"، "استغلال المعاناة".
لم يتم ذكر أي حل تقني أو سياسي أو بيئي. لم يتم ذكر أي حل تقني أو سياسي أو بيئي.
صدع في الجدار الشعبوي
من خلال مهاجمة خطاب الخوف وجهاً لوجه، فتحت التعبئة في قابس ثغرة في نظام قيس سعيد الشعبوي.
إنها تظهر أن المجتمع التونسي لم يستسلم: رغم القمع والحصار والإرهاق، فإن دورة الاحتجاج مستمرة، أكثر انتشاراً ووعياً وتجذراً.
من شوارع قابس إلى الأرياف العطشى، ومن المصانع المغلقة إلى المدارس المكتظة، تهتف تونس مرة أخرى - ليس من أجل منقذ، بل لاستعادة صوت تمت مصادرته.