يتم الإبلاغ كل يوم عن عشرات حالات الاختناق في قابس. كما أن العيادات مكتظة ولم تعد تستوعب جميع المرضى الذين يعانون من نوبات الإغماء والارتفاع الحاد في الأمراض التنفسية والجلدية والرئوية. كما أن الهواء والتربة والمياه ملوثة بشكل خطير، وصيد الأسماك على نطاق صغير في تراجع، وعشرات الأنواع البحرية تموت كل يوم، وتجرفها الأمواج إلى الشواطئ وهي هامدة.
تواجه مدينة قابس كارثة بيئية حقيقية. حيث تتسبب تسربات الغاز من المجمع الكيميائي في إطلاق مواد سامة - الكبريت والأمونيا - بينما يتم تصريف كميات هائلة من الفوسفوجيبسوم في البحر. ومع ذلك، أعلنت حكومة الرئيس قيس سعيد في عام 2023 أن هذه المادة "ليست مشعة ولا خطرة على الصحة"، متجاهلةً عمداً الدراسات العلمية التي تحذر من ضررها، فضلاً عن الأدلة المرئية بالعين المجردة على الرواسب الهائلة التي تلوث الشواطئ والمياه الساحلية.
حتى قيس سعيد، الذي عادة ما يكون بارعًا في الصيغ المنمقة والاستعارات البليغة، اعترف منذ بعض الوقت بأن ما يحدث في قابس هو "اغتيال حقيقي للصحة والبيئة في قابس"، واصفًا ما يحدث هناك بأنه "جريمة دولة". لكن عندما خرج السكان إلى الشوارع للتنديد بهذه الكارثة، كان رد الحكومة هو القمع: اعتُقل عشرات الأشخاص، واستُخدم الغاز المسيل للدموع على نطاق واسع، مما أثر على الأحياء والمنازل.
هذه الوحشية لم تضعف من عزيمة السكان. في 21 أكتوبر/تشرين الأول 2025، شارك أكثر من مائة ألف شخص في إضراب عام دعا إليه اتحاد العمال الإقليمي - بدعم من العديد من المنظمات المدنية والمهنية - مطالبين بتفكيك الوحدات الملوثة في المجمع الكيميائي.
الأزمة في قابس - وعلى نطاق أوسع في تونس - ليست مجرد أزمة بيئية، بل هي أزمة سياسية وأخلاقية أيضًا. لقد أصبح الخطاب الرسمي للسلطات موضع سخرية، خاصة على شبكات التواصل الاجتماعي وفي الساحة العامة، لأنه بعيد كل البعد عن الواقع. فقد أوضح وزير البنية التحتية أن نظام مكافحة التلوث في المجمع قد توقف بسبب قطعة غيار تكلفتها 15000 دينار (حوالي 4000 يورو). أما وزير الصحة فقد اقترح كـ"حل" بناء مستشفى لمرضى السرطان في قابس لاستيعاب ضحايا التلوث.
ولكن مرة أخرى كان قيس سعيد هو من برز في هذه المرة. فبعد التعبئة الكبرى التي حدثت في 21 أكتوبر 2025، استدعى رئيس حكومته في الساعات الأولى من الصباح الباكر. جلست أمامه مستسلمة مستسلمة وهي تستمع إليه وهو يثرثر: تحدث عن كل شيء - عن الشعراء العرب الساخرين، وعن بطل وطني أعدمه الاستعمار، وعن شباب "جيل زد" الذين سخر منهم - باستثناء مأساة قابس. وكالعادة، هاجم "الخونة" و"المتآمرين" الذين "تقيأهم الشعب" والذين وعد بـ"معاقبتهم". ولكن ما علاقة كل هذا بالتسميم اليومي الذي يتعرض له أهالي قابس؟ ماذا سمع من صرخات الاستغاثة من مواطنيه؟ وما هي الإجراءات الملموسة التي يقترحها لوضع حد للكارثة أو على الأقل الحد من آثارها؟
نحن نعرف الإجابات. منذ بداية عهده الانفرادي، أظهر قيس سعيد ثابتا واحدا: عندما يثبت عجزه عن حل الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية - وهو ما أصبح الآن هو القاعدة - فإنه يصرف الانتباه باتهامات بالتآمر والتهديدات ضد الخصوم والخطابات المشوشة المليئة بالاستعارات الفارغة والتهكم على أعداء وهميين. وعلى الجانب الآخر، يتذرع بـ"شعب" مجرد من المفترض أن يرافقه في "عملية" باتت نتائجها الكارثية على تونس واضحة للجميع.
ما تشهده البلاد اليوم ليس مجرد شكل جديد من أشكال الاستبداد: إنها أزمة حكم عميقة. فالرئيس المعزول عن الواقع، والذي يركز كل السلطات، يدير دولة مشلولة ومؤسسات مختزلة إلى حد العجز. لقد عانت تونس بالفعل من الديكتاتورية والفساد والقمع وانهيار سيادة القانون. ولكن لم يسبق لها أن واجهت مثل هذا الفراغ السياسي: سلطة عاجزة وممتعضة ومنقطعة عن العالم الحقيقي.