tag -->

قضية Instalingo: عندما تصبح العدالة أداة أساسية للقمع السياسي

القرار الصادر عن الدائرة الجنائية لمحكمة الاستئناف في تونس في القضية المعروفة باسم "إنستالينغو" " يؤكد، بشكل شبه مطابق، الحكم الصادر في 5 فبراير 2025، والذي ندد به بشدة المحامون ومنظمات الدفاع عن حقوق الإنسان وقطاعات واسعة من الرأي العام باعتباره أحد أكثر المحاكمات السياسية رمزية في الفترة التي بدأت منذ 25 يوليو 2021.

بهذا القرار، لم تكتف محكمة الاستئناف بتأييد أحكام قاسية لم يسبق لها مثيل، بل أقرت منطقاً قضائياً استثنائياً قائماً على تجريم المعارضة، والمرونة الخطيرة في توجيه التهم المتعلقة بأمن الدولة، والقضاء شبه التام على ضمانات المحاكمة العادلة.

قضية بُنيت كنموذج للقمع

في الأصل، تتعلق القضية بشركة إنتاج محتوى رقمي واتصالات، Instalingo، مقرها في منطقة الساحل. وقد أعاد جهاز الأمن والقضاء تدريجياً تفسير نشاطها - إنشاء محتوى إعلامي، وإدارة صفحات على شبكات التواصل الاجتماعي، وتقديم خدمات اتصالات - باعتباره عنصراً أساسياً في ما يُزعم أنه "مؤامرة ضد الدولة".

لم تستند هذه إعادة التصنيف أبدًا إلى حقائق ثابتة، بل إلى:

  • إدانة أولية صادرة عن أفراد مدانين بشدة بتهم الاحتيال والابتزاز والشهادة الزور،
  • الافتقار الواضح للأدلة الفنية (الصفحات، المنصات، التدفقات الرقمية) التي يمكن أن تنسب قانونًا إلى الشركة،
  • استقراءات سياسية تهدف إلى تحويل الأنشطة الإعلامية إلى أعمال تخريبية.

انطلاقاً من هذه القاعدة الهشة، تم توسيع نطاق القضية بشكل منهجي ليشمل أشخاصاً لا تربطهم أي صلة عضوية أو وظيفية أو تشغيلية مثبتة، مما يوضح استراتيجية معروفة جيداً: بناء قصة شاملة عن "شبكة" حيث لا يوجد سوى تجاور مصطنع للملفات الشخصية.

مجموعة متنوعة من المتهمين لرواية واحدة: "المؤامرة"

تجمع قضية Instalingo ما يلي:

  • كبار المسؤولين السياسيين، وفي مقدمتهم راشد الغنوشي، رئيس حركة النهضة والرئيس السابق لمجلس النواب، المحكوم عليه بالسجن 22 عامًا،
  • أفراد عائلته ومحيطه السياسي (معاذ وسمية الغنوشي، لطفي زيتون)، الذين حُكم عليهم بعقوبات تصل إلى 35 عامًا،
  • حكم على هشام مشيشي، رئيس الحكومة السابق، بالسجن لأكثر من 34 عامًا.
  • كبار المسؤولين الأمنيين السابقين،
  • رجال أعمال متهمون بتمويل سري دون أدلة دامغة،
  • الصحفيين والمدونين ومنشئي المحتوى، الذين حُكم على بعضهم بالسجن لأكثر من عشرين عامًا بسبب أفعال تتعلق أساسًا بالتعبير والنشاط الإعلامي.

إن مجموع الأحكام الصادرة — أكثر من 750 سنة سجن — يطيل أمد المنطق القمعي الذي بدأ مع قضية "المؤامرة ضد أمن الدولة"، حيث بلغ مجموع الأحكام الصادرة عتبة أعلى. وفي غياب أي أعمال عنف أو أعمال مسلحة، يكشف هذا التضخم في العقوبات عن استغلال القانون الجنائي لأغراض الترهيب السياسي.

عدالة استئناف لا تقبل الطعن: عهد "النسخ واللصق"

لم تقم محكمة الاستئناف بأي إعادة نظر جادة:

  • انتهاكات الحق في الدفاع،
  • مخالفات في الاختصاص والإجراءات،
  • التغييرات التعسفية والعقوبات المفروضة على القضاة الذين تولوا القضية على التوالي،
  • الطابع غير المتناسب بشكل واضح للتهم الجنائية الموجهة (لا سيما المواد المتعلقة بالخطر على أمن الدولة والإرهاب).

بإقرارها الحكم الصادر عن المحكمة الابتدائية بشكل شبه كامل، أقرت المحكمة عدالة التصديق، التي لم تعد وظيفتها إصدار الأحكام القضائية بل إضفاء الشرعية القانونية على قرار اتخذ بالفعل في مكان آخر.

شادها حاج مبارك: استثناء يؤكد القاعدة

التغيير الوحيد الملحوظ يتعلق بالصحفية شادها حاج مبارك، المسجونة منذ عام 2023 في حالة صحية مقلقة.


تحت تأثير التحركات المتكررة في تونس والخارج، قامت محكمة الاستئناف بما يلي:

  • تخلى عن القادة الأكثر ثقلاً (تغيير شكل الحكومة، التحريض على العنف المسلح)،
  • أبقى على عقوبة متبقية بتهمة المساس بأمن الدولة الخارجي، وخففها إلى سنتين مع وقف التنفيذ، مما أدى إلى إطلاق سراحه.

بعيدًا عن كونه فعلًا من أفعال الاستقلال القضائي، يكشف هذا القرار عن آلية أصبحت الآن راسخة: الإفراج المشروط كبديل سياسي للبراءة، عندما تصبح الملاحقة القضائية مكلفة للغاية من حيث الصورة.

قضاء خاضع للوصاية ورواية رئاسية مفروضة

تُظهر قضية Instalingo التغيير الجذري الذي طرأ على القضاء التونسي منذ قيام قيس سعيد بتركيز السلطات:

  • حل المجلس الأعلى للقضاء،
  • إقالة قضاة بأعداد كبيرة،
  • إدارة العدالة عن طريق التعميمات والأوامر القضائية،
  • الاستخدام التضخمي للمخالفات المتعلقة بأمن الدولة.

في هذا السياق، لم تعد العدالة قوة مضادة، بل أداة أساسية في السرد الرئاسي، حيث تُعزى الإخفاقات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية بشكل منهجي إلى أعداء داخليين وخارجيين.

في مواجهة هذا الانحراف الكبير، قام CRLDHT بما يلي:

  1. يدين بشدة تحويل النظام القضائي التونسي إلى أداة للقمع السياسي، في تجاهل للدستور والاتفاقيات الدولية التي صدقت عليها تونس ومبادئ العدالة العالمية.
  2. يؤكد تضامنه الكامل مع جميع ضحايا قضية Instalingo وبشكل أعم مع جميع السجناء السياسيين وسجناء الرأي، الذين يخضعون لظروف احتجاز غير إنسانية ومهينة.
  3. تنبيه بشأن وضع السجناء المستضعفين، ولا سيما راشد الغنوشي، البالغ من العمر ثمانين عامًا، والذي يشبه سجنه المطول عقوبة الإعدام البطيئة.
  4. يطالب بالإفراج الفوري وغير المشروط عن جميع الأشخاص الذين تمت محاكمتهم أو إدانتهم دون أدلة مادية ثابتة.
  5. يؤكد أن الإفراج عن شادا حاج مبارك، الذي تم تحت الضغط، لا يمكن اعتباره انتصاراً طالما لم يتم الاعتراف براءتها بشكل واضح وما زالت تتحمل إدانة غير مبررة.

قضية إنستالينغو ليست حالة منعزلة ولا خطأ قضائياً. إنها تشكل علامة فارقة في إرساء نظام استبدادي، حيث يصبح القانون الجنائي سلاحاً سياسياً، وتُجرد العدالة من استقلاليتها لتُستخدم في فرض الانضباط على المجتمع وترهيب المعارضين وإعادة كتابة التاريخ.

باريس، 15 يناير 2026

شارك هذه المقالة:

مقالات ذات صلة

العودة إلى الأعلى