لم يكن يوم 17 ديسمبر 2025 يوماً احتفالياً بسيطاً. بل كان يوماً مليئاً بالانقسامات، كشف عن تونس تعاني من الغضب والتوقعات والتقاليد المتعارضة في الشارع. والأهم من ذلك، أنه يندرج في سياق سياسي محدد: أربعة أيام سبت متتالية من المظاهرات الناجحة، لا سيما في تونس العاصمة، التي أعادت إلى مركز النقاش العام قضايا الحريات واستقلال القضاء وإنهاء التعسف.
هذه هي الديناميكية التي سعت السلطة إلى وقفها، ليس من خلال الحوار أو الاستجابات السياسية، بل من خلال عملية معاكسة: صنع مظاهرة دعم، ثم تحويلها، من خلال انزلاق دلالي ثقيل العواقب، إلى "تفويض شعبي" من المفترض أن يسمح بتسريع عام لعمل الدولة.
ومع ذلك، فإن هذا التغيير يطرح مشكلة سياسية كبيرة، بل وأكثر من ذلك، مشكلة قانونية جوهرية.
قبل 17 ديسمبر: أربعة أيام سبت تنفي الرواية الرسمية
لم تأتِ تجمعات 17 ديسمبر في فراغ سياسي. فقد سبقتها أربعة أيام سبت متتالية من التعبئة المدنية، نُظمت على الرغم من مناخ الخوف والترهيب القضائي والقمع.
هذه المسيرات، التي لم تكن هامشية على الإطلاق، أظهرت ما يلي:
- عودة ظهور شارع تعددي، غير خاضع لرقابة الدولة؛
- أهمية المطالب الواضحة: الحريات العامة، وإطلاق سراح السجناء السياسيين، واستقلال القضاء؛
- استمرارية تتناقض مع فكرة شعب متحد أو صامت.
من وجهة نظر القانون الدستوري والدولي، فإن هذه التعبئة تندرج تماماً في إطار الممارسة العادية للحق في التجمع السلمي، الذي يكفله كل من دستور عام 2022 والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، الذي صدقت عليه تونس. وبالتالي، لا يمكن لأي سلطة، من الناحية القانونية، أن تصنفها على أنها "فوضى" أو "خيانة" أو "مؤامرة" دون انتهاك التزاماتها القانونية.
17 ديسمبر في تونس: مظاهرة تحولت إلى "تفويض"
لقد اتخذت السلطة بالفعل قرارًا رمزيًا: تكريس يوم 17 ديسمبر باعتباره «يوم الثورة»، على حساب يوم 14 يناير. وهذا ليس مجرد تفصيل في التقويم: إنه إعادة كتابة للتاريخ. ويصبح يوم 17 ديسمبر 2025 الأداة المثالية: مضاعفة صور «الوحدة» وإغراق غضب التعددية في سرد واحد.
في 17 ديسمبر، نُظمت في تونس مظاهرة على شارع الحبيب بورقيبة لدعم قيس سعيد والعملية التي نتجت عن الانقلاب الدستوري في 25 يوليو. وقد أقرت الرئاسة لاحقًا بالدعم الرسمي لهذه التعبئة، ووصفتها بالتتابع بـ "صفعة" ثم بـ "صفعة تاريخية"، قبل أن ترى فيها تعبيرًا عن "تفويض شعبي".
وهنا يأتي دور الانفصال القانوني.
1. لا وجود لـ"الولاية الشعبية" في القانون الدستوري التونسي
لا يوجد في دستور عام 2014 (الملغى الآن) ولا في دستور عام 2022 فئة قانونية تسمى "التفويض الشعبي" الناشئ عن مظاهرة.
في النظام الدستوري التونسي، تمارس سيادة الشعب حصريًا وفقًا لإجراءات محددة: الانتخابات والاستفتاءات والمؤسسات المنصوص عليها في الدستور.
المظاهرة — حتى لو كانت حاشدة — ليست آلية لتفويض السلطة، ناهيك عن كونها تفويضاً عاماً للحكم بطريقة مختلفة أو أسرع أو خارج نطاق الضمانات القانونية. وتحويلها إلى «تفويض» يعني استبدال الشرعية الدستورية بالأحداث السياسية.
بعبارة أخرى: ما تقدمه السلطة على أنه أساس قانوني ليس سوى عمل سياسي اتصالي، لا قيمة له من الناحية المعيارية.
2. حياد الإدارة: مبدأ تم انتهاكه
الجدل الدائر حول اللوجستيات (الحافلات المستأجرة، وسائل النقل العامة أو شبه العامة، تعبئة الشبكات الإدارية المحلية) ليس أمراً ثانوياً. فهو يمس المبدأ الدستوري المتمثل في حياد الإدارة والخدمات العامة.
وفقاً لدستور عام 2022 نفسه، يجب أن تخدم الإدارة المصلحة العامة على أساس المساواة والحياد. ولا يمكن استخدامها لصالح أي معسكر سياسي، ناهيك عن استخدامها لإثبات الشرعية.
إذا تم استخدام الموارد العامة - المباشرة أو غير المباشرة - لتسهيل تنظيم مظاهرة داعمة، في حين تواجه تحركات أخرى عرقلة أو مراقبة أو قمع، فإن ذلك يشكل انتهاكاً للمساواة وإساءة استخدام للسلطة العامة.
وتتعلق هذه المسألة أيضًا بالمسؤولية الجنائية والمالية، لا سيما فيما يتعلق بالقواعد التي تحكم استخدام الموارد العامة والشركات العامة ومبدأ عدم تخصيص موارد الدولة لأغراض حزبية.
في اليوم نفسه، شوارع أخرى، شرعية أخرى
Gabès: الشارع من أجل العيش
في قابس، يأخذ يوم 17 ديسمبر معنى مختلفًا تمامًا. حيث يتظاهر آلاف المواطنين والمواطنات للمطالبة بإنهاء التلوث الصناعي والحق في بيئة صحية والكرامة.
هنا، الشارع ليس مجرد ديكور لإضفاء الشرعية على السلطة: إنه توجيه نداء مباشر إلى الدولة، يستند إلى حقوق معترف بها — الحق في الصحة والحياة وبيئة صحية.
من الناحية القانونية، تندرج هذه المطالبات في إطار الالتزامات الإيجابية للدولة التونسية، المستمدة من الدستور ومن الاتفاقيات الدولية التي صدقت عليها. إن تجاهلها أو إهمالها وراء خطاب "سيادة" مجرد هو إخفاق في سيادة القانون، وليس خياراً سياسياً محايداً.
قيروان: الغضب ضد الإفلات من العقاب
في القيروان، اتسم اليوم بالغضب الناجم عن وفاة نعيم بريكي في ظروف تنطوي على عنف من جانب الشرطة.
وتثير الاحتجاجات التي أعقبت ذلك والاعتقالات المصاحبة لها سؤالاً أساسياً: سؤال استخدام القوة ومسؤولية موظفي الدولة والإفلات من العقاب.
غير أن القانون التونسي، شأنه شأن القانون الدولي، يفرض ما يلي:
- إجراء تحقيق فعال ومستقل ونزيه؛
- التناسب في حفظ النظام؛
- حماية الحق في التظاهر، حتى في ظل التوترات.
هنا أيضا، الحديث عن "الولاية الشعبية" في الوقت الذي تطالب فيه العائلات بالحقيقة والعدالة يكشف عن فجوة كبيرة بين الخطاب الرسمي والواقع القانوني.
إلغاء أيام السبت الأربعة: محاولة سياسية عقيمة وقانونية لا أساس لها
بالاستناد إلى "التفويض الشعبي" الصادر في 17 ديسمبر، تسعى السلطة إلى تحقيق هدف محدد: محو الأحداث السابقة، ونزع الشرعية عن التحركات النقدية، وتبرير مرحلة التشديد التي أُعلن عنها بعبارة "السرعة القصوى".
لكن من الناحية القانونية، فشلت هذه المحاولة على جميع الأصعدة:
- التظاهر لا يخلق ولاية؛
- "السرعة" ليست نظامًا دستوريًا؛
- لا تبرر أي تحركات، حتى لو كانت جماهيرية، تعليق الحريات أو تعطيل العدالة أو استغلال الإدارة.
حتى لو كانت الأرقام أعلى بعشر مرات، فإن المنطق سيظل كما هو: لا يعمل القانون على أساس التصفيق.
17 ديسمبر يكشف عن خط الصدع الحقيقي
لم يثبت يوم 17 ديسمبر 2025 وحدة الشعب. بل كشف عن عمق الانقسام:
- بين شارع تم إعداده لتبرير السلطة،
- والشوارع التي تطالب بالحقوق والعدالة والهواء والحياة.
في القانون كما في السياسة، لا تُعلن السيادة، بل تمارس في أطر محددة، مع حدود واضحة.
تحويل مظاهرة منظمة إلى "تفويض شعبي" هو تجاوز خط خطير: الخط الذي تدعي فيه البلاغة أنها تحل محل الدستور.
لكن التاريخ التونسي واضح في نقطة واحدة: كلما خلطت السلطة بين الشارع والطليق، لم تهيئ للاستقرار، بل للأزمة التالية.