tag -->

تونس: مايو 2026، شهر يؤكد استمرار أزمة الحريات

سيبقى شهر مايو 2026 بلا شك أحد أكثر الشهور دلالة على الوضع الحالي في تونس. فلم يكن مجرد سلسلة من الأحداث المنفصلة، بل كشف عن المنطق الشامل لسلطة تزداد مركزيةً يوماً بعد يوم، ولنظام قضائي خاضع للسلطة التنفيذية يتعرض للتشكيك بشكل متزايد، وللمجال المدني الذي يتقلص باستمرار.  المحاكمات ضد الصحفيين والمحامين، والتوترات بين القضاء والسلطة التنفيذية، واعتقال المواطنين بسبب شعارات معادية للسلطة، والمخاوف المتزايدة للمجتمع المدني، والصعوبات الاقتصادية المستمرة، والاضطراب الثقافي: كل هذه العناصر تشكل صورة تثير تساؤلات عميقة حول مستقبل حقوق الإنسان في البلاد.

بعد مرور ما يقرب من خمس سنوات على الانقلاب العسكري الذي وقع في 25 يوليو 2021، أفسح الوعد الرئاسي بـ«تصحيح المسار» المجال لواقع مختلف تمامًا. وفي هذا السياق، يبدو شهر مايو بمثابة خلاصة حقيقية للتوترات التي تعصف بالمجتمع التونسي اليوم.

أصبحت القضاء مسرحًا رئيسيًا للمواجهة

لم يسبق منذ ثورة عام 2011 أن احتلت العدالة مكانة مركزية إلى هذا الحد في الحياة السياسية التونسية. وما يجري اليوم في المحاكم يتجاوز الإطار القانوني بكثير: فإلى جانب القضايا التي تنظر فيها المحاكم، فإن وجود الحريات العامة والضمانات الأساسية لدولة القانون نفسه هو الذي يتعرض اليوم لخطر جسيم.

وتعد قضية المحامية والكاتبة الصحفية سونيا دهماني أبرز مثال على ذلك. في 25 مايو، حُكم عليها بالسجن مرة أخرى في سلسلة من الإجراءات القضائية التي أثارت ضجة كبيرة في تونس وخارجها. ولا يزال اعتقالها المثير في مايو 2024، داخل مقر نقابة المحامين نفسه، محفوراً في الذاكرة باعتباره أحد أكثر الصور تأثيراً على تراجع الحريات الذي يُلاحظ منذ عدة سنوات.

إن المعاملة التي لقيتها سونيا دهماني لا تستهدف شخصًا واحدًا فحسب، بل توجه رسالة إلى جميع المحامين والصحفيين والمثقفين الذين يواصلون انتقاد توجهات السلطة. كما أن قضيتها ترمز إلى الاستخدام المتزايد للمرسوم القانوني رقم 54، الذي أصبح أحد أكثر الأدوات إثارة للجدل في الترسانة القانونية التونسية. وقد قُدم هذا النص في الأصل كأداة لمكافحة التضليل الإعلامي، إلا أن منظمات الدفاع عن حقوق الإنسان تدينه اليوم باعتباره آلية تسمح بتجريم التعبير عن الآراء الانتقادية.

وينطبق الأمر نفسه على قضيتي مراد زغيدي وبرهان بسايس. فقد أحدثت الأحكام القاسية الصادرة بحق هذين الصحفيين صدمة في أوساط الإعلام. ويرى النقابة الوطنية للصحفيين التونسيين (SNJT) أن هذه الملاحقات القضائية تساهم في خلق جو من الخوف يهدف إلى تشجيع الرقابة الذاتية وتقليص مساحات النقاش العام.

وقد أشار التقرير السنوي للاتحاد الوطني للصحفيين التونسيين (SNJT)، الذي صدر في 3 مايو 2026 بمناسبة اليوم العالمي لحرية الصحافة، إلى واقع مقلق: تزايد الدعاوى القضائية، والضغوط الاقتصادية على وسائل الإعلام، والقيود المفروضة على الوصول إلى المعلومات، والتهميش التدريجي للصحافة المستقلة. في غضون بضع سنوات، تحولت تونس من نموذج إقليمي يُستشهد به غالبًا إلى بلد تتعرض لانتقادات منتظمة من قبل المنظمات الدولية المدافعة عن حرية الصحافة.

شخصيات من المجتمع المدني في الخطوط الأمامية

في مواجهة هذا التدهور في مناخ الحريات، لا تزال العديد من الشخصيات البارزة تجسد الدفاع عن المكاسب الديمقراطية التي حققتها الثورة، رغم أنها تواجه هي نفسها ملاحقات قضائية أو أحكامًا إجرائية، مما يوضح التوترات المتزايدة بين السلطة والأصوات المنتقدة.

يظل الصحفي زيد الحني أحد أبرز الأصوات التي لا تكل في فضح الانتهاكات التي تتعرض لها حرية الصحافة وحرية التعبير. ورغم تعرضه المستمر لحملات تشويه السمعة والإجراءات القضائية، فإنه يواصل فضح استخدام المرسوم القانوني رقم 54 والتجريم المتزايد للآراء المعارضة. في 7 مايو 2026، حكمت عليه الدائرة الجنائية في محكمة تونس الابتدائية بالسجن لمدة سنة واحدة دون وقف التنفيذ، على خلفية نشر مقال يتعلق بقضية قضائية، استناداً بشكل خاص إلى المادة 86 من قانون الاتصالات. وأثار هذا الحكم رد فعل قوي من النقابة الوطنية للصحفيين التونسيين (SNJT)، التي نددت بـ«الملاحقة القضائية» ضد أحد الصحفيين الأكثر انتقاداً للسلطة.

كما كثف شوقي طبيب، الرئيس السابق للهيئة الوطنية لمكافحة الفساد (INLUCC)، انتقاداته للتفكيك التدريجي للمؤسسات المستقلة. ووفقاً له، فإن آليات الرقابة والشفافية والمساءلة التي تم إنشاؤها بعد عام 2011 قد تم تحييدها تدريجياً. لكنه أصبح هو نفسه أحد الأهداف الرئيسية للملاحقات القضائية المرفوعة ضد المسؤولين السابقين في المؤسسات المستقلة. في 14 أبريل 2026، صدر أمر بالقبض عليه في قضية تتعلق بإدارته السابقة للمعهد الوطني لمكافحة الفساد. كما تم تجميد أصوله. وقد نددت العديد من منظمات المحامين التونسية والدولية بهذه الملاحقات القضائية التي تعتبرها تعسفية وذات دوافع سياسية.

اكتسبت القضية أبعادًا أكبر عندما حُكم على شوقي طبيب، في 21 مايو 2026، بالسجن لمدة عشر سنوات. وأثار هذا الحكم موجة من الاحتجاجات بين المدافعين عن حقوق الإنسان والمنظمات المهنية للمحامين والعديد من المنظمات الدولية، التي ترى في ذلك خطوة جديدة في مسار المساس بالمؤسسات المستقلة التي أُنشئت بعد الثورة.

ولم تقتصر ردود الفعل على الأوساط التونسية وحدها. فقد أعربت العديد من المنظمات الوطنية للدفاع عن حقوق الإنسان، وجمعيات المحامين والقضاة والصحفيين ونشطاء المجتمع المدني عن تضامنهم مع الرئيس السابق للمعهد الوطني لمكافحة الفساد، مشيرين إلى دوره في مكافحة الفساد وتعزيز الشفافية داخل المؤسسات العامة.

على الصعيد الإقليمي، نددت العديد من المنظمات العربية المدافعة عن حقوق الإنسان وشبكات المحامين والمنظمات الناشطة في مجال مكافحة الفساد بهذا الحكم الذي تعتبره ذو دوافع سياسية. كما أعربت عدة شخصيات بارزة في الأوساط القانونية والمنظمات المدنية في المغرب العربي والشرق الأوسط عن قلقها إزاء تأثير هذه القضية على استقلالية مؤسسات الرقابة.

على الصعيد الدولي، نددت منظمات حقوق الإنسان ونقابات المحامين والشبكات المتخصصة في الحوكمة الديمقراطية والعديد من الشركاء الدوليين للمجتمع المدني التونسي بما يعتبرونه استغلالاً للعدالة ضد شخصية لعبت دوراً محورياً في بناء آليات مكافحة الفساد بعد عام 2011.

أدى هذا الحشد الواسع على الصعيد الوطني والعربي والدولي إلى تحويل قضية شوقي طبيب إلى رمز للمخاوف التي يثيرها التراجع التدريجي لقوى التوازن في تونس.

من جانبها، تواصل سيهم بن سدرين، الرئيسة السابقة لهيئة الحقيقة والكرامة (IVD)، الدفاع عن إرث العدالة الانتقالية. وهي تحذر بانتظام من التشكيك في جهود حفظ الذاكرة التي بُذلت بعد الثورة، ومن خطر عودة الممارسات الاستبدادية التي سعى التونسيون تحديداً إلى تجاوزها.

ويأتي هذا الدفاع عن إرث «هيئة الحقيقة والكرامة» في الوقت الذي تواجه فيه هي نفسها عدة دعاوى قضائية. وتتعلق التهم الرئيسية الموجهة إليها بإدارة هيئة الحقيقة والكرامة، وبشكل خاص بشروط نشر التقرير النهائي للهيئة، فضلاً عن بعض الملفات المتعلقة بالتحكيم والمصالحة. وتتهمها السلطات على وجه الخصوص بإساءة استخدام المنصب، وتزوير الوثائق، وارتكاب مخالفات إدارية متنوعة.

وقد تم احتجازها اعتبارًا من أغسطس 2024، وهي في سن تجاوزت الخامسة والسبعين وتواجه العديد من المشاكل الصحية، وظلت في السجن لعدة أشهر قبل أن يُفرج عنها مؤقتًا تحت ضغط العديد من المنظمات التونسية والدولية. وأثار سجنها تحركاً واسعاً في أوساط المدافعين عن حقوق الإنسان، حيث نددت العديد من المنظمات بهذه الإجراء غير المتناسب وغير المتوافق مع حالتها الصحية.

القضاء ونقابة المحامين في حالة تأهب

من أبرز التطورات التي شهدها شهر مايو التحرك العلني للمهنيين القضائيين أنفسهم.

في 19 و20 مايو، نظم محامون عدة تحركات احتجاجية في المحاكم في أنحاء البلاد. وتتمحور مطالبهم حول احترام ضمانات المحاكمة العادلة، وحماية حقوق الدفاع، واستقلال القضاء.

يكشف هذا التحرك عن انزعاج عميق. فالمحامون يرون بشكل متزايد أن الملاحقات القضائية الموجهة ضد الصحفيين والنشطاء والمعارضين تعكس استغلالاً سياسياً للجهاز القضائي. كما ينتقد العديد منهم حملات التشهير الموجهة ضد نقابة المحامين ورئيسها، والتي يُنظر إليها على أنها محاولة لإضعاف إحدى المؤسسات القليلة التي لا تزال قادرة على التعبير عن رأيها بشكل مستقل.

في 25 مايو، خطت رابطة القضاة التونسيين خطوة أخرى إلى الأمام بتوجيه اتهام علني لوزارة العدل باستخدام التعيينات والتحويلات كوسيلة للضغط على القضاة. وأشار البيان الصادر بهذه المناسبة إلى «انهيار الخدمة العامة للعدالة» وتدهور غير مسبوق لاستقلال القضاء.

المجتمع المدني تحت الضغط: الأطباء الشباب ورابطة حقوق الإنسان والمنظمات المستقلة

كما سلط شهر مايو الضوء على التوترات المتزايدة بين السلطات والعديد من المنظمات المهنية والجمعيات المستقلة، وكشف عن تقلص مقلق في الحيز المدني.

في 14 مايو، قررت السلطات تعليق أنشطة«منظمة الأطباء الشباب التونسيين» (OTJM) لمدة ثلاثين يوماً، وذلك عشية مؤتمر صحفي مخصص لوضع المستشفيات العامة، وظروف عمل الأطباء الشباب، وأزمة النظام الصحي.

أثار هذا القرار على الفور موجة من السخط. ووقع أكثر من 1500 طبيب وأكاديمي ومهني في مجال الصحة ومواطن على عريضة تطالب بإلغائه. كما نددت الاتحاد العام التونسي للشغل (UGTT) والعديد من منظمات المجتمع المدني وشخصيات عامة عديدة بهذا القرار باعتباره انتهاكًا لحرية تكوين الجمعيات وحرية النقابات.

أمام حجم الحراك الشعبي، تراجعت السلطات في النهاية ورفعت التعليق في 19 مايو. ويُنظر إلى هذا التراجع على نطاق واسع باعتباره انتصارًا للحراك الشعبي وتذكيرًا بأن حرية تكوين الجمعيات لا تزال قضية محورية في تونس اليوم.

كما سلطت هذه القضية الضوء على الأزمة العميقة التي يعاني منها نظام الرعاية الصحية العام، والتي تتجلى في نقص الموارد، والهجرة الجماعية للأطباء، وتدهور البنية التحتية للمستشفيات، والصعوبات المتزايدة التي يواجهها الأطباء الشباب.

لكن الضغوط التي مورست على المجتمع المدني لم تقتصر على قطاع الصحة.

كما شهد شهر مايو تعليق أنشطة الرابطة التونسية لحقوق الإنسان (LTDH) لمدة شهر، وهي إحدى أقدم منظمات الدفاع عن حقوق الإنسان في العالم العربي وأفريقيا، حيث تأسست عام 1977 وحازت على جائزة نوبل للسلام ضمن «الرباعية الوطنية للحوار» عام 2015.

أثار هذا القرار ضجة كبيرة في تونس. فقد نددت العديد من الجمعيات والمنظمات المهنية والأكاديميين والصحفيين والمحامين والناشطين بهذا الإجراء الذي يستهدف إحدى المؤسسات الأكثر رمزية في مجال الدفاع عن الحريات العامة في البلاد.

وسرعان ما تجاوزت ردود الفعل الحدود الوطنية. فقد أعربت منظمات دولية معنية بالدفاع عن حقوق الإنسان، وشبكات أوروبية-متوسطية، وشركاء دوليون للمجتمع المدني التونسي، فضلاً عن العديد من الشخصيات الناشطة في مجال الدفاع عن الحقوق الأساسية، عن تضامنهم مع الرابطة وعن قلقهم إزاء ما يعتبرونه تقييداً جديداً للمساحة المدنية.

شكلت هذه الحملة الوطنية والدولية أحد أبرز الأحداث في هذا الشهر. وقد أعادت إلى الأذهان الدور التاريخي الذي لعبته الرابطة التونسية للدفاع عن الحريات (LTDH) في الدفاع عن سجناء الرأي، وفضح ممارسات التعذيب، وحماية الحريات العامة، ودعم عملية الانتقال الديمقراطي بعد ثورة عام 2011.

كما شهد شهر مايو توترات حول منظمة «محامون بلا حدود» (ASF). فقد أثارت الإجراءات الإدارية الرامية إلى تقييد بعض أنشطة المنظمة قلقاً بالغاً لدى المدافعين عن حقوق الإنسان. وفي مواجهة ردود الفعل من المجتمع المدني التونسي والدولي، اضطرت السلطات في النهاية إلى إعادة النظر في بعض هذه الإجراءات.

إن حالات منظمة «منظمة التضامن من أجل حقوق الإنسان» (OTJM) و«الرابطة التونسية للدفاع عن الحريات» (LTDH) و«محامون بلا حدود» (Avocats Sans Frontières)، إذا ما نُظرت مجتمعة، توضح الصعوبات المتزايدة التي تواجهها المنظمات المستقلة العاملة في مجالات حقوق الإنسان والعدالة والصحة والحريات العامة. لكنها تشهد أيضاً على الحيوية المستمرة للمجتمع المدني التونسي وقدرته على حشد التضامن الوطني والدولي عندما يرى أن الحريات الأساسية مهددة

احتجاج سياسي لم يختفِ بعد

على الرغم من الضغوط التي تمارس على المعارضين، أظهرت عدة أحداث أن الاحتجاجات لا تزال مستمرة.

في 17 مايو، قوبل الإفراج عن محمد ريان حمزاوي، العمدة السابق لمدينة الزهراء (بالقرب من تونس)، الذي كان متهمًا في قضية «المؤامرة 2»، بترحيب شعبي لافت. وانتشرت صور عودته على نطاق واسع عبر شبكات التواصل الاجتماعي، واعتُبرت علامة على التضامن مع المعتقلين السياسيين.

بعد بضع ساعات، في ليلة 17 إلى 18 مايو، تسببت الزيارة الليلية التي قام بها قيس سعيد إلى دوار هيشر في حدوث مشهد غير معتاد. يُقال إن السكان هتفوا بـ«ارحل»، وهو الشعار الأيقوني للثورة التونسية عام 2011. ووفقاً لعدة شهادات، تم اعتقال شابين بعد هذا الحادث. ويُظهر هذا الحادث استمرار الاحتجاج الشعبي على الرغم من تشديد المناخ السياسي.

في 21 مايو، أثار بيان غير معتاد صادر عن وزارة الدفاع يؤكد الطابع الجمهوري والمحايد للجيش العديد من التعليقات. وفي ظل تزايد الاستقطاب، يرى بعض المراقبين في ذلك رغبة في التذكير بضرورة بقاء المؤسسة العسكرية بعيدة عن الصراعات السياسية.

الحركات الاجتماعية والنضالات المدنية والتضامن مع فلسطين

كما شهد شهر مايو 2026 تصاعدًا في الحركات الاجتماعية والمواطنة والسياسية في عدة مناطق من البلاد. وتناولت هذه الاحتجاجات قضايا بيئية واجتماعية واقتصادية، فضلاً عن الحريات العامة والتضامن الدولي مع الشعب الفلسطيني.

ومن بين الحركات الأكثر رمزية الاعتصام المفتوح الذي ينظمه سكان رويسات، في محافظة القيروان (وسط تونس). فمنذ أكثر من شهر، يتحرك النساء والرجال والأطفال للدفاع عن حقهم في بيئة صحية وتنمية عادلة ومستدامة. ويندد المتظاهرون بعواقب استخدام فحم الكوك من قبل مصنع الأسمنت SOTACIB، المتهم بتلويث الهواء والأراضي الزراعية والبيئة المحلية. كما يطالبون بحماية حق الأطفال في التعليم، وينددون بالإزعاج والمخاطر المرتبطة بالانفجارات التي قد تؤثر على المساكن والمؤسسات التعليمية.

يُظهر هذا التحرك تزايد قوة الحركات البيئية في تونس. وهو يذكرنا بأن حقوق الإنسان لا تقتصر على الحريات السياسية فحسب، بل تشمل أيضًا الحق في الصحة، وفي بيئة صحية، وفي التعليم، وفي مشاركة السكان في القرارات التي تؤثر على بيئتهم المعيشية.

شكل التضامن مع فلسطين محورًا رئيسيًا آخر للتحركات التي شهدها الشهر. منذ اندلاع الحرب في غزة، لا تزال القضية الفلسطينية أحد العوامل الرئيسية التي تحفز الحراك في تونس. في عام 2026، برزت أسطول «صمود» كواحدة من أبرز مبادرات هذا التضامن. وقد قدمها منظموها على أنها عمل مدني يهدف إلى كسر الحصار المفروض على غزة رمزياً، وحظيت بدعم شعبي وجمعياتي ونقابي كبير.

ومع ذلك، تم اعتقال العديد من أعضاء ومنظمي الأسطول في إطار تحقيقات فتحها القسم القضائي الاقتصادي والمالي. ومن بين الأشخاص المعنيين بشكل خاص وائل نوار، وجواهر شانا، ونبيل شينوفي، ومحمد أمين بنور، وغسان حنشيري. وأشارت السلطات إلى وجود شكوك تتعلق بإدارة التمويل والتبرعات التي تم جمعها للمبادرة، في حين نددت المنظمات الداعمة بهذه الخطوة ووصفتها بأنها محاولة لتجريم التضامن مع فلسطين.

أثارت هذه الاعتقالات ردود فعل عديدة. فقد نُظمت تجمعات تضامنية ومؤتمرات صحفية وحملات على شبكات التواصل الاجتماعي وأعمال احتجاجية للمطالبة بالإفراج عن النشطاء والتنديد بما يُنظر إليه على أنه قمع يستهدف حركات التضامن مع غزة. وشارك في هذه التحركات العديد من منظمات حقوق الإنسان والمحامين والنقابيين والنشطاء.

وشملت الأنشطة المتعلقة بأسطول «صمود» أيضًا استقبال المشاركين العائدين من مهمتهم. وبعد اعتراض عدة قوارب واحتجاز نشطاء تونسيين مؤقتًا من قبل السلطات الإسرائيلية الإبادة الجماعية، تجمع مئات الأشخاص في مطار تونس-قرطاج لاستقبال أعضاء الأسطول العائدين إلى تونس. وحولت الأعلام الفلسطينية وشعارات دعم غزة والأناشيد النضالية هذه العودة إلى مظاهرات حقيقية للتضامن الشعبي.

تشهد هذه التحركات المختلفة على تنوع أشكال الاحتجاج التي تشهدها المجتمع التونسي اليوم. سواء كانت نضالات بيئية في رويسات (وفي قابس في جنوب تونس)، أو مطالب اجتماعية ضد غلاء المعيشة، أو تحركات تضامنية مع فلسطين، فإنها جميعها تعبر عن مطلب واحد: الدفاع عن الكرامة والحريات والحقوق الاجتماعية والعدالة، سواء في تونس أو خارج حدودها.

خطاب رئاسي يواجه المزيد من الانتقادات والسخرية

كما شهد شهر مايو عدة تصريحات لـ كيس سعيد اتسمت بنبرة مثيرة للقلق بشكل خاص. ومن بين العبارات التي حظيت بأكبر قدر من التعليقات عبارة «بلغ السيل الزُّبَى» («تجاوزت الأمور الحدود» أو «كأس الصبر فاضت»)، التي استخدمها للتنديد بما يصفه بمحاولات زعزعة استقرار الدولة ومناورات موجهة ضد المؤسسات.

سرعان ما تجاوز هذا التصريح الإطار السياسي ليصبح ظاهرة انتشرت بسرعة على مواقع التواصل الاجتماعي. فقد تبنى آلاف المستخدمين هذه العبارة لاستخدامها في سياقات ساخرة. على فيسبوك وتيك توك ومنصات أخرى، أصبح «بلغ السيل الزُّبَى» شعاراً فكاهياً مرتبطاً بارتفاع الأسعار، وتدهور وسائل النقل العام، وأزمة القوة الشرائية، وحالات النقص، وتكلفة الأغنام في عيد الأضحى.

ففي الوقت الذي سعت فيه السلطات إلى التنديد بالتهديدات الموجهة ضد الدولة، اختار العديد من المواطنين إعادة تفسير هذه العبارة للتعبير عن استيائهم من الصعوبات الاقتصادية والاجتماعية. ويُظهر هذا الحدث التباين المتزايد بين الخطاب الرسمي والهموم اليومية لجزء كبير من السكان.

كما يكشف عن ظهور أشكال جديدة من الاحتجاج تستند إلى الفكاهة والتهكم وتحوير الخطاب الرسمي، والتي أصبحت بالنسبة للكثيرين وسيلة للتحايل على القيود المفروضة على التعبير العلني.

مجتمع أضعفته الأزمة الاقتصادية

يتفاقم تراجع الحريات في سياق اجتماعي صعب للغاية.

لا يزال التضخم يقوض القوة الشرائية. وتشهد أسعار المواد الغذائية الأساسية ارتفاعات كبيرة، ولا يزال معدل البطالة مرتفعاً، لا سيما بين الخريجين الشباب.

مع اقتراب عيد الأضحى، أصبح ارتفاع أسعار الأغنام موضوعًا وطنيًا. وتنتشر على شبكات التواصل الاجتماعي مقاطع فيديو ساخرة تنتقد عدم قدرة العديد من الأسر على تحمل هذه النفقات. كما أثار إعلان "النائبة" سيرين مرابات عن التبرع بـ 150 خروفًا للأسر الفقيرة جدلاً كاشفًا عن حالة التوتر الاجتماعي السائدة.

وهكذا، تغذي الأزمة الاقتصادية شعوراً متزايداً بالظلم والإهمال، مما يزيد من حدة التوترات السياسية.

الاحتجاج الرقمي وأساليب التعبئة الجديدة

في 23 مايو 2026، تعرض تطبيق MyTT التابع لشركة تونس تيليكوم، والذي يستخدمه مئات الآلاف من المشتركين لإدارة خدماتهم الهاتفية والإنترنت، لهجوم إلكتروني مذهل. وأتاح هذا الهجوم إرسال إشعارات سياسية على نطاق واسع إلى هواتف المستخدمين. وتندد الرسائل التي تم بثها بالانتهاكات التي لحقت بالحريات العامة، وتطالب بالإفراج عن السجناء السياسيين وسجناء الرأي، وتطالب بإلغاء المرسوم بقانون رقم 54، الذي أصبح بالنسبة للعديد من المدافعين عن حقوق الإنسان رمزاً لقمع حرية التعبير.

أثار الحادث على الفور موجة من الصدمة في البلاد. وأعلنت شركة «تونس تيليكوم» عن فتح تحقيق داخلي، مشيرة إلى حدوث اختراق لأنظمتها المعلوماتية. وعلى مواقع التواصل الاجتماعي، أثارت القضية آلاف التعليقات، التي تراوحت بين القلق بشأن أمن البنى التحتية الرقمية والتأييد للمطالب التي عبرت عنها الرسائل المنشورة.

بعد ساعات قليلة من العملية، أعلنت صفحات تزعم أنها مقربة من مجموعة من الشباب التونسيين مسؤوليتها عن هذا العمل. وأكد منفذو العملية أنهم يريدون لفت الانتباه إلى مصير المعتقلين السياسيين، وانتقدوا ما يعتبرونه إغلاقاً تدريجياً لمساحات التعبير العام. كما أعلنوا أن أعمالاً أخرى قد تتبع هذه العملية طالما بقي سجناء الرأي محتجزين، وطالما استمر استخدام المرسوم القانوني رقم 54 ضد الصحفيين والنشطاء والمعارضين.

وبعيدًا عن الجانب التقني، فإن لهذه الحادثة أهمية رمزية كبيرة. فلأول مرة منذ عدة سنوات، تمكنت حركة احتجاجية من تجاوز قنوات الاتصال التقليدية والوصول مباشرة إلى عدد كبير جدًا من المواطنين عبر منصة عامة. ويشهد هذا الحدث على ظهور أشكال جديدة من النشاط الرقمي في سياق تتزايد فيه القيود المفروضة على المظاهرات والاجتماعات العامة ووسائل الإعلام المستقلة.

تكشف قضية MyTT أيضًا عن تطور مهم في أساليب الاحتجاج. في مواجهة تقلص الفضاء المدني، يبدو أن جزءًا من الشباب التونسي أصبح الآن يعتمد بشكل أكبر على الأدوات الرقمية والشبكات الاجتماعية والحملات عبر الإنترنت والأعمال الرمزية ذات الحضور البارز. ويعكس هذا التحول الشعور المتزايد بأن آليات المشاركة السياسية والنقاش العام التقليدية لم تعد تسمح بإيصال بعض المطالب.

وهكذا، فإن وراء ما قد يبدو مجرد حادثة أمنية إلكترونية، تظهر حقيقة أعمق: حقيقة مجتمع تتجه فيه الاحتجاجات تدريجياً نحو الفضاء الرقمي مع تقلص المساحات التقليدية للحياة الديمقراطية. ومن هذا المنظور، تبدو حادثة MyTT كواحدة من أكثر الأحداث دلالة على المناخ السياسي والتحولات في أشكال التعبئة المدنية في تونس عام 2026.

الثقافة: مناخ يتسم بزيادة الرقابة

أهم حدث ثقافي هذا الشهر هو إقرار قانون وضع الفنان والمهن الفنية. هذه الإصلاحات، التي طال انتظارها لسنوات عديدة، تعترف بالحقوق المهنية للفنانين وتوفر آليات الحماية الاجتماعية التي طال انتظارها.

لكن هذا التقدم يأتي في سياق يثير مخاوف شديدة. فرأى العديد من الفنانين والمثقفين والفاعلين الثقافيين أن حرية الإبداع أصبحت مهددة بسبب المناخ السياسي العام. ويُنظر إلى إنشاء بطاقة مهنية تصدر تحت إشراف إداري على أنها أداة محتملة للانتقاء أو الإقصاء.

وعلى نطاق أوسع، ينتقد العديد من الفاعلين الثقافيين ظهور ما يمكن وصفه بـ«ثقافة خاضعة للرقابة». ويتهمون بعض المؤسسات العامة بتفضيل الإنتاجات التي تحظى بإجماع وتهميش الأعمال النقدية أو الحساسة سياسياً.

في سياق يتسم بملاحقات قضائية ضد الصحفيين والمحامين والنشطاء، يشهد العالم الثقافي عودة ظاهرة كان الكثيرون يعتقدون أنها انقضت بعد عام 2011: الرقابة الذاتية. وبالتالي، لم تعد المسألة الأساسية تقتصر على الحماية الاجتماعية للفنانين فحسب، بل أصبحت تتعلق بقدرتهم على الإبداع بحرية.

معاناة السجناء السياسيين وعائلاتهم

وبعيدًا عن المحاكمات والبيانات والمواجهات المؤسسية، أعاد شهر مايو 2026 إلى الأذهان حقيقة غالبًا ما تكون أقل ظهورًا لكنها إنسانية بامتياز: حقيقة السجناء السياسيين وسجناء الرأي وأسرهم.

منذ عدة سنوات، يتعرض العشرات من المسؤولين السياسيين والنشطاء والمحامين والصحفيين والمدونين والنقابيين ونشطاء المجتمع المدني للملاحقة القضائية أو الاحتجاز في قضايا تتعلق بتهم «التآمر ضد أمن الدولة»، أو بموجب المرسوم بقانون رقم 54، أو بموجب تهم متنوعة تتعلق بالتعبير عن الرأي.

شهد شهر مايو تحركات جديدة من قبل أسر المعتقلين ولجان الدعم ومنظمات الدفاع عن حقوق الإنسان. وسعت المؤتمرات الصحفية والتجمعات أمام المحاكم والحملات على شبكات التواصل الاجتماعي والخطب العامة إلى لفت الانتباه إلى أوضاع الأشخاص المحرومين من حريتهم منذ عدة أشهر، بل وعدة سنوات في بعض الأحيان، في انتظار صدور حكم نهائي.

لا يقتصر الألم على السجناء وحدهم. فخلف كل سجين توجد زوجات وأهالي وأطفال وأقارب يواجهون الانتظار والقلق وعدم اليقين. ويصف الكثيرون حياتهم اليومية بأنها تتأرجح بين الذهاب إلى السجون، والإجراءات الإدارية المطولة للحصول على حق الزيارة، والتأجيلات المتتالية لجلسات المحاكمة، وصعوبة الحصول على معلومات موثوقة عن الحالة الصحية لأقاربهم أو ظروف احتجازهم.

تشير العديد من الشهادات إلى عواقب نفسية بالغة الخطورة، مثل القلق المستمر، والاضطراب النفسي، والعزلة الاجتماعية، والشعور بالظلم. وفي بعض الحالات، تسببت عمليات الاحتجاز أيضًا في تدهور كبير في الوضع الاقتصادي للأسر، التي حُرمت من الدخل الرئيسي للأسرة. وينشأ الأطفال بعيداً عن آبائهم أو أمهاتهم، بينما يعيش الآباء المسنون في انتظار الإفراج عنهم دون أن يعرفوا متى سيحدث ذلك.

يُعد مصير السجناء السياسيين وسجناء الرأي اليوم أحد أكثر المؤشرات دلالة على حالة الحريات في تونس. وبعيدًا عن النقاشات المؤسسية والمواجهات السياسية، فإنه يذكرنا بأن الأزمة الحالية تنطوي على بُعد إنساني عميق. فخلف كل ملف توجد حياة معلقة، وعائلات تعاني، ومواطنون لا ذنب لهم، حسب مؤيديهم، سوى أنهم أعربوا عن رأي انتقادي أو مارسوا حقهم في المشاركة السياسية.

وهكذا أصبح وضع السجناء وأسرهم أحد أكثر الرموز إيلامًا لتراجع الحريات الذي نشهده منذ عدة سنوات. وهو يذكرنا بأن مسألة حقوق الإنسان لا تُقاس فقط من خلال النصوص القانونية أو التصريحات الرسمية، بل أيضًا من خلال التجربة اليومية لمن يتحملون عواقب القمع السياسي.

العنصرية، ونزع الصفة الإنسانية، وتجريم التضامن: حالة سعدية موسبه

سلط شهر مايو 2026 الضوء على بُعد آخر مثير للقلق في أزمة حقوق الإنسان في تونس: تصاعد الخطاب العنصري والمعادي للأجانب الذي يستهدف المهاجرين من بلدان جنوب الصحراء الكبرى، وكذلك الأشخاص المنخرطين في الدفاع عنهم.

وتحتل سعادة مصباح، مؤسسة جمعية «منمتي» والشخصية البارزة في مكافحة العنصرية، مركز الصدارة في هذه الأحداث. وهي محتجزة منذ عدة أشهر وتواجه اتهامات في قضية تتعلق بتمويل جمعيتها، وقد أصبحت، بالنسبة للعديد من المنظمات التونسية والدولية، رمزاً لتجريم التضامن المتزايد. ويُنظر إلى محاكمتها، المقرر عقدها في 2 يونيو 2026، على أنها اختبار كبير لحرية تكوين الجمعيات واستقلالية القضاء.

تأتي هذه القضية في سياق يتسم بالتدهور المستمر لأوضاع المهاجرين من بلدان جنوب الصحراء الكبرى. فمنذ أشهر، تقوم المنظمات التونسية والدولية بتوثيق حالات الترحيل الجماعي والاعتقال التعسفي والعنف والتخلي عن المهاجرين في المناطق الصحراوية، فضلاً عن حملات التشهير التي تستهدف هذه الفئات الضعيفة بشكل خاص.

كما شهد شهر مايو تصاعداً مقلقاً في حدة الخطاب العام. فقد تجاوزت بعض المنشورات التي انتشرت على شبكات التواصل الاجتماعي حدوداً مقلقة في مجال تجريد الإنسان من إنسانيته. ومن بين أكثر هذه المنشورات إثارة للصدمة ما نشره الشاعر سلاحدين بوزايان، الذي دعا إلى الترحيل القسري للنساء والأطفال المهاجرين، وذهب إلى حد التلميح إلى تسميمهم. وتشكل مثل هذه التصريحات إنكاراً صارخاً لأبسط مبادئ الكرامة الإنسانية وتُظهر التعميم المتزايد لخطاب الكراهية.

ويغذي هذا التطور الانتشار المستمر لروايات مؤامراتية تصور الهجرة من بلدان جنوب الصحراء الكبرى على أنها تهديد ديموغرافي لتونس. وتستند هذه الخطابات إلى أطروحات ما يُسمى بـ«الاستبدال الكبير»، المرتبطة بشكل كبير بتيارات اليمين المتطرف، وتصف المهاجرين بأنهم أدوات لمشروع يهدف إلى تغيير التركيبة السكانية للبلاد.

وفي الوقت نفسه، لا تزال العديد من المعلومات المضللة تنتشر، ولا سيما الفكرة التي تزعم أن أي طفل يولد في تونس لوالدين من بلدان جنوب الصحراء يحصل تلقائيًا على الجنسية التونسية. غير أن خبراء قانونيين أكدوا أن القانون التونسي لا يستند إلى مبدأ الجنسية التلقائية بمجرد الولادة، وأن اكتساب الجنسية لا يزال خاضعًا لأحكام قانونية صارمة.

إنذار خطير بالنسبة للمستقبل

بشكل عام، ترسم أحداث مايو 2026 صورة لبلد تتعرض فيه الحريات العامة لضغوط متزايدة. فالمحاكمات السياسية، والتشكيك في استقلالية القضاء، والقيود المفروضة على حرية الصحافة، وإضعاف القوى المضادة، والصعوبات الاقتصادية، وتزايد الرقابة الذاتية، كلها عوامل تشكل صورة مقلقة.

ومع ذلك، وعلى الرغم من الضغوط، تواصل المجتمع المدني التونسي مقاومته. فالصحفيون والمحامون والقضاة والفنانون والمدافعون عن حقوق الإنسان والمواطنون الناشطون يواصلون الدفاع عن الحريات التي تم تحقيقها بعد نضالات طويلة.

بعد مرور أكثر من خمسة عشر عامًا على ثورة عام 2011، تذكرنا أحداث شهر مايو الحالي بأن قضية حقوق الإنسان لا تزال في صميم مستقبل تونس. فهي اليوم محور إحدى المعارك الأكثر حسمًا لمستقبل البلاد الديمقراطي.

شارك هذه المقالة:

مقالات ذات صلة

العودة إلى الأعلى