tag -->

محاكمة "التآمر ضد أمن الدولة": محاكاة ساخرة للعدالة في خدمة الحكم.

إن المحاكمة التي جرت في 4 مارس 2025، والتي تم تقديمها كإجراء قانوني للنظر في تهم "التآمر على أمن الدولة"، تبين في الواقع أنها مسرحية مدبرة بعناية لإضفاء الشرعية على القمع السياسي.

وخلف مظهر المناقشة القضائية، فإن كل شيء يشير إلى أن الحكم مختوم مسبقًا، مما يجعل هذا الإجراء أقرب إلى صورية العدالة منه إلى محاكمة عادلة حقيقية.

I. التدريج القضائي

1. عدم وجود أساس قانوني متين

إن قضية النيابة العامة جوفاء ومليئة بالمخالفات، كما أشار العديد من المراقبين ومحامي الدفاع، فهي لا تستند إلى عناصر ملموسة مثل وجود خطة عنيفة أو أدلة مادية على وجود مؤامرة، بل تقتصر القضية على لقاءات بين معارضين سياسيين وتبادل للأفكار ومشاورات حول مستقبل البلاد. هذه أعمال نقاش ديمقراطي، وليست جرائم دولة.

وتستند القضية في الأساس إلى شهادة شخص مجهول الهوية يُدعى "إكس إكس"، والذي لم يقدم أي دليل ملموس. وحتى الدبلوماسيون المذكورون في الملف لم يُستمع إليهم قط، مما يدل على ضعف التحقيق.

2. محاكمة عن بعد لتحييد الدفاع

إن قرار فرض التداول بالفيديو على المتهمين ليس مجرد عائق لوجستي، بل هو محاولة واضحة لمنع أي دفاع فعال. وتمنع هذه الطريقة المتهمين من التعبير عن أنفسهم بحرية، وتحرمهم من الاتصال المباشر بمحاميهم وتحرمهم من فرصة مواجهة المتهمين. وتشكل هذه المناورة، التي تتم بذريعة وجود خطر وشيك لم يثبت قط، انتهاكاً خطيراً لحقوق الدفاع.

وقد تم اتخاذ هذا القرار إداريًا وليس قضائيًا، وهو ما يشكل تدخلًا مباشرًا من قبل السلطة التنفيذية في الإجراءات.

3. قضاة الصلح تحت التهديد

لقد تم المساس باستقلال القضاء بشكل كامل. فقد تمت معاقبة عدد من القضاة أو إزاحتهم أو ترهيبهم لضمان توافقهم التام مع الحكومة. هذه القبضة على القضاء تحرم المتهمين من أي أمل في محاكمة نزيهة. وقد وصف رئيس الجمهورية، قيس سعيد، نفسه المعارضين بـ"الإرهابيين" حتى قبل افتتاح المحاكمة، مما يقوض أي وهم بوجود حكم محايد.

ثانياً- استخدام المحاكم لتعزيز أجندة سياسية ما

  1. أداة قمع ضد المعارضة

هذه المحاكمة ليست مجرد حدث قضائي بسيط، بل هي جزء من جهد منهجي لتفكيك المعارضة. فجميع المتهمين هم شخصيات سياسية تنتقد النظام وتنادي بالتعددية والديمقراطية;

إن إبعادهم يسمح لمن هم في السلطة بإغلاق المجال السياسي وزرع الخوف والقضاء على أي بديل موثوق.

هذه المحاكمة هي "محاولة لاغتيال النقاش السياسي"، تهدف إلى تجريم جميع أشكال المعارضة.

2. تجربة أُجريت في الظل وتحت السيطرة

وقد أدى حظر النشر في القضية لأكثر من عام إلى تكميم الصحافة ومنع أي رؤية مستقلة للإجراءات.

وقد مُنع الصحفيون ووسائل الإعلام المستقلة من التحقيق بحرية، في حين قامت وسائل الإعلام المقربة من الحكومة بتنظيم حملة لشيطنة المتهمين.

المفارقة صارخة: ففي الوقت الذي كانت فيه المعلومات المتعلقة بالقضية تخضع للرقابة، كان مروجو النظام يتمتعون بحرية مطلقة في بث رواية الادعاء. وبثت البرامج التلفزيونية نسخة متحيزة من المحاكمة، دون إعطاء الدفاع فرصة للتحدث.

ثالثاً- سابقة لسيادة القانون

  1. خطوة غير مسبوقة إلى الوراء بالنسبة للديمقراطية

منذ الاستقلال، شهدت تونس عدة محاكمات سياسية منذ الاستقلال، ولكن لم يحدث قط أن شهدت محاكمات سياسية بهذه الدرجة من التلاعب القضائي والتنظيم القمعي. ففي عهد بورقيبة وبن علي، ظلت المحاكم في عهد بورقيبة وبن علي أماكن يمكن للمتهمين على الأقل أن يكونوا حاضرين جسديًا وأن يُسمعوا أصواتهم.

أما هنا، فالوضع أسوأ من ذلك: فالمتهمون يحاكمون غيابيًا، دون مواجهة مع متهميهم، وتحت السيطرة المباشرة للسلطة التنفيذية. وهذا الأسلوب يقوض المبادئ الأساسية للمحاكمة العادلة المنصوص عليها في المواثيق الدولية والدستور التونسي.

  • استغلال العدالة كأداة مع ما يترتب على ذلك من عواقب وخيمة

وباستخدام النظام القضائي كأداة للاضطهاد، تضعف الحكومة مصداقية مؤسساتها. وقد تمهد هذه المحاكمة الطريق أمام زيادة إضفاء الطابع القضائي على القمع السياسي، حيث يمكن محاكمة أي معارض بتهم لا أساس لها من الصحة.

هذا المناخ من الإرهاب القانوني لا يشجع على المشاركة السياسية ويقوض أسس النقاش الديمقراطي. ويرسل رسالة واضحة: أي تحدٍ للسلطة يمكن أن يؤدي مباشرة إلى السجن.

الخاتمة 

إن محاكمة 4 مارس 2025 ليست محاكمة، بل هي حدث مسرحي ساخر مصمم لإضفاء واجهة قانونية على عملية تطهير سياسي. وخلف مظهر الإجراءات القضائية، هي في الواقع حكم مدبر مسبقًا، كتبته السلطات قبل بدء الجلسات بوقت طويل.

شارك هذه المقالة:

مقالات ذات صلة

العودة إلى الأعلى