tag -->

الميثاق الأوروبي بشأن الهجرة واللجوء: سياسة إسناد المسؤوليات إلى الجهات الخارجية ذات عواقب مأساوية على المهاجرين والتونسيين

إصلاح أوروبي يواجه معارضة شديدة

يمثل دخول «الميثاق الأوروبي بشأن الهجرة واللجوء» حيز التنفيذ في يونيو 2026 مرحلة جديدة في تشديد سياسات الهجرة في الاتحاد الأوروبي. ورغم تقديم هذا الميثاق على أنه إصلاح يهدف إلى مواءمة إجراءات اللجوء، وتعزيز التضامن بين الدول الأعضاء، وتحسين إدارة الحدود الخارجية للاتحاد، إلا أنه يواجه انتقادات شديدة من العديد من منظمات الدفاع عن حقوق الإنسان.

بالنسبة لمنظمة GISTI (مجموعة الإعلام والدعم للمهاجرين والمهاجرات)، يمثل الميثاق تراجعاً كبيراً في الحقوق الأساسية للمهاجرين والمنفيين. وقد اعتمده البرلمان الأوروبي في 10 أبريل 2024 في ختام عملية اعتُبرت غير شفافة، وهو يستجيب في المقام الأول لمنطق مراقبة الهجرة بدلاً من هدف حماية الأشخاص. ويرى GISTI أن الميثاق يركز على ردع الوافدين، وفرز المنفيين، وتسريع عمليات الترحيل، وتحويل سياسة الهجرة إلى بلدان العبور، على حساب حق اللجوء ومبدأ عدم الإعادة القسرية والضمانات الأساسية المنصوص عليها في القانون الدولي.

ويعمم الميثاق، على وجه الخصوص، نهج «المناطق الساخنة»، الذي تم تجريبه منذ عام 2015 في اليونان وإيطاليا. ووفقًا لمنظمة GISTI، تفرض هذه الآليات إجراءات معجلة في غضون مهل زمنية لا تتوافق مع الفحص الفعّال لطلبات اللجوء، وتشجع على احتجاز الأشخاص عند الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي. ويؤدي منطق «التصفية» هذا إلى اختيار سريع للأشخاص الذين قد يكونون مستحقين للحماية، وإلى الترحيل المعجل للبقية

تحويل مهام مراقبة الهجرة إلى تونس

وتصاحب هذه السياسة زيادة في إسناد مهام مراقبة الهجرة إلى جهات خارجية. فالاتحاد الأوروبي يفوض بشكل متزايد إدارة حدوده إلى دول ثالثة من خلال اتفاقيات سياسية ومالية وأمنية.

ويُعد مذكرة التفاهم الموقعة مع تونس في يوليو 2023 أحد أبرز الأمثلة على هذه الاستراتيجية. فمقابل الحصول على دعم مالي ومادي ولوجستي، تتولى تونس مهمة تعزيز مراقبة حدودها، ومنع المغادرة إلى أوروبا، ومكافحة شبكات المهربين.

بالنسبة للعديد من منظمات الدفاع عن حقوق الإنسان، فإن هذا التعاون يعادل نقل مسؤولية مراقبة الهجرة إلى دولة لا تمتلك نظام لجوء وطني حقيقي ولا ضمانات كافية لحماية الحقوق الأساسية. وبذلك تتحول تونس تدريجياً إلى منطقة عازلة، مكلفة باحتجاز المهاجرين قبل وصولهم إلى الأراضي الأوروبية.

الآثار المترتبة على المهاجرين من بلدان جنوب الصحراء الكبرى

وتكون العواقب مأساوية بشكل خاص بالنسبة للمهاجرين القادمين من أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى.

منذ الخطاب الذي ألقاه الرئيس قيس سعيد في 21 فبراير 2023، والذي ندد فيه بما زعم أنه «مؤامرة» تهدف إلى تغيير التركيبة السكانية للبلاد، توثق المنظمات الوطنية والدولية تصاعدًا في أعمال العنف العنصري والمعادي للأجانب. وتعتبر منظمة العفو الدولية، ومنظمة «ميغروبوب»، والمنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية (FTDES)، والرابطة التونسية لحقوق الإنسان (LTDH)، ولجنة احترام الحريات وحقوق الإنسان في تونس (CRLDHT)، الاتحاد الدولي لحقوق الإنسان (FIDH)، ومحامون بلا حدود (ASF)، ومنظمة «يوروميد-حقوق»، ومنظمة «هيومن رايتس ووتش»، والعديد من المنظمات التونسية، ترى أن هذا الخطاب ساهم في إضفاء الشرعية على مناخ من الكراهية تجاه الأشخاص السود والمهاجرين.

ومنذ ذلك الحين، يتعرض المهاجرون من بلدان جنوب الصحراء الكبرى للاعتداءات الجسدية، والطرد من مساكنهم، والفصل من العمل، والاعتقال التعسفي، والتمييز في الحصول على الرعاية الصحية والسكن والعمل، فضلاً عن العديد من خطابات الكراهية. كما تشير عدة تحقيقات إلى وقوع أعمال عنف أثناء اعتراضهم في البحر، ومصادرة ممتلكاتهم، والضرب، والابتزاز.

وقد وثقت منظمات الدفاع عن حقوق الإنسان بشكل خاص حالات الترحيل الجماعي إلى المناطق الصحراوية الواقعة على الحدود مع ليبيا والجزائر. حيث تم التخلي عن مئات الأشخاص، من بينهم نساء وأطفال، في تلك المناطق دون ماء أو طعام أو رعاية طبية أو مساعدة إنسانية. وتُنتقد هذه الممارسات على نطاق واسع باعتبارها مخالفة للقانون الدولي ومبدأ عدم الإعادة القسرية.

كما كشفت عدة تحقيقات صحفية أن بعض عمليات المراقبة البحرية ومكافحة الهجرة غير الشرعية إلى أوروبا تحظى بدعم مالي وتقني ومادي من الاتحاد الأوروبي. وتُظهر التحقيقات الأخيرة أن الموارد التي يمولها الاتحاد الأوروبي تساهم في عمليات اعتراض المهاجرين في البحر، وعمليات الإعادة القسرية، والممارسات التي يُنتقد أنها تتعارض مع الالتزامات الدولية بحماية حقوق الإنسان. وتثير هذه الكشوفات تساؤلات مباشرة حول مسؤولية الاتحاد الأوروبي عن الانتهاكات التي يرتكبها شركاؤه.

وبذلك، يسهم التعاون في مجال الهجرة بين الاتحاد الأوروبي وتونس في إبقاء آلاف الأشخاص في بلد لا يتمتعون فيه بأي حماية فعالة. وتنتقد المنظمات غير الحكومية سياسة «حصر» المهاجرين، الذين يتعرضون لظروف معيشية هشة، وللعنف والتمييز والاستغلال، في الوقت الذي يُمنعون فيه من مواصلة رحلتهم نحو أوروبا.

تصنيف تونس كـ«بلد منشأ آمن»

وفي الوقت نفسه، يعزز الميثاق الأوروبي اللجوء إلى مفهوم «بلد المنشأ الآمن» بهدف تسريع معالجة ورفض بعض طلبات اللجوء.

أثار إدراج تونس في القائمة الأوروبية المقترحة للبلدان الآمنة انتقادات حادة من جانب كل من الاتحاد التونسي للدفاع عن الديمقراطية والإنصاف (FTDES) والجمعية التونسية للدفاع عن المهاجرين (GISTI) والمركز التونسي لحقوق الإنسان والتضامن (CRLDHT) والعديد من منظمات الدفاع عن حقوق الإنسان. وفي الوقت الذي توثق فيه تقارير عديدة تدهورًا مستمرًا في سيادة القانون والحريات العامة ووضع حقوق الإنسان، فإن هذا التصنيف يتيح تسريع النظر في طلبات اللجوء المقدمة من المواطنين التونسيين ويسهل رفضها.

وتندد المنظمات بوجود تناقض واضح بين هذا التصنيف والواقع الملحوظ على الأرض، الذي يتسم بقمع المعارضين السياسيين، وملاحقة الصحفيين والمحامين والمدافعين عن حقوق الإنسان، والقيود المتزايدة على الحريات العامة، فضلاً عن أعمال العنف المرتكبة ضد المهاجرين. وترى هذه المنظمات أن هذا القرار ينبع من منطق السيطرة على تدفقات المهاجرين أكثر مما ينبع من تقييم موضوعي لحالة حقوق الإنسان الأساسية في تونس.

تصاعد عمليات ترحيل الرعايا التونسيين

ويصاحب هذا التطور تصاعد عمليات ترحيل المواطنين التونسيين من عدة دول أعضاء في الاتحاد الأوروبي.

في إطار الميثاق الأوروبي واتفاقيات التعاون المبرمة مع تونس، تسعى الدول الأوروبية إلى تعزيز تنفيذ إجراءات ترحيل الأشخاص المقيمين بشكل غير قانوني. ويتم تشجيع السلطات التونسية على تسهيل إعادة قبولهم، وفقاً للالتزامات التي تم التعهد بها في إطار التعاون في مجال الهجرة مع الاتحاد الأوروبي.

وبذلك، تنتقد المنظمات هذه السياسة التي تجعل من تونس في آن واحد دولة مكلفة باحتجاز المهاجرين القادمين من أفريقيا جنوب الصحراء، ودولة إعادة لمواطنيها، مما يعزز دورها كـ«حارس حدود» لأوروبا. وتفرض هذه الاستراتيجية على تونس مسؤوليات متزايدة في مجال مراقبة الهجرة دون ضمان شروط حماية حقوق الإنسان، مع تفاقم التوترات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية الداخلية.

الخاتمة

يُجسِّد «الميثاق الأوروبي بشأن الهجرة واللجوء» تحولاً جذرياً في سياسات الهجرة الأوروبية: فقد أصبحت الأولوية تُعطى الآن لحماية الحدود بدلاً من حماية الأشخاص. ومن خلال إضفاء الطابع المؤسسي على نقل مهام مراقبة الهجرة إلى دول ثالثة مثل تونس، يساهم الاتحاد الأوروبي في نقل حدوده إلى ما وراء أراضيه وجعل هذه الدول مناطق لاعتراض الهجرة.

لم تعد هذه السياسة تقتصر على المهاجرين القادمين من أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى فحسب؛ بل أصبحت تؤثر الآن أيضًا على المواطنين التونسيين أنفسهم. إن تصنيف تونس المثير للجدل باعتبارها «بلد منشأ آمن»، مقترناً بتعزيز اتفاقيات إعادة القبول وزيادة عمليات ترحيل الرعايا التونسيين من أوروبا، يحول البلاد تدريجياً إلى منصة لتنفيذ السياسة الأوروبية في مجال الهجرة.

وبذلك تُسند إلى تونس مهمة مزدوجة: منع عبور المهاجرين إلى أوروبا وقبول العودة المعجلة لمواطنيها. ويُعزز هذا التطور دورها كـ«حارس حدود» للاتحاد الأوروبي، في الوقت الذي توثق فيه المنظمات الوطنية والدولية تدهورًا مستمرًا في سيادة القانون والحريات العامة وحقوق الإنسان.

وفقًا للتحليلات التي أجرتها منظمة GISTI ومنظمة العفو الدولية ومنظمة Migreurop ومنظمة FTDES ومنظمة CRLDHT والعديد من المنظمات الأخرى، فإن هذه الاستراتيجية تعطي الأولوية لتأمين الحدود على حساب حماية الأشخاص. وهي تسهم في إضفاء الطابع المؤسسي على نظام يتم فيه إسناد إدارة الهجرة إلى دول تعاني من قصور في القدرات والضمانات المتعلقة بحقوق الإنسان، مما ينطوي على خطر زيادة انتهاكات الحقوق الأساسية، وتأجيج التمييز، وزيادة هشاشة الوضع الاجتماعي والسياسي في تونس. وبذلك، يُتهم الاتحاد الأوروبي بنقل جزء من مسؤولياته في مجال الحماية الدولية، مع تحميل تونس في الوقت نفسه تكلفة بشرية وسياسية ومؤسسية متزايدة الثقل.

شارك هذه المقالة:

مقالات ذات صلة

العودة إلى الأعلى