tag -->

تفاقم العجز التجاري في تونس: مرآة للتفكك الاقتصادي والمأزق السياسي في البلاد.

بلغ العجز التجاري التونسي 8,367.2 مليون دينار في نهاية مايو 2025. ويقارن ذلك مع 6,548.6 مليون دينار للفترة نفسها من عام 2024، و6,561.1 مليون دينار في عام 2023. ويعني ذلك خسارة صافية إضافية صافية قدرها 2 مليار دينار تقريبًا للبلاد خلال عامين، في وقتٍ يُعتبر فيه كل قرش مهم. لكن هذا الرقم وحده لا يحكي القصة كاملة: فهو ليس مجرد مؤشر اقتصادي مقلق، بل يعكس خللاً أعمق وانهياراً للجهاز الإنتاجي وفشل سياسة اقتصادية بلا بوصلة، يفاقمها شخصنة السلطة.

ماذا يعني هذا العجز في الحقيقة؟

الحقيقة الأولى الواضحة هي أن تونس لا تزال تستهلك أكثر مما تنتج - وتنتج بشكل سيئ. وإلى حد ما، يمكن تفسير العجز التجاري بخيارات الاستثمار، أو بالقيود الخارجية المؤقتة. ولكن في هذه الحالة، فإن الزيادة المطردة في العجز على مدى السنوات الثلاث الماضية لا تدعمها أي استراتيجية صناعية، أو أي تحرك نحو التصدير إلى الأسواق المتقدمة، أو أي جهد للتحول الهيكلي. إنها دوامة من التبعية.

وبالتفصيل، نمت الواردات بوتيرة أسرع من الصادرات، حيث بلغ رصيد الطاقة -3,918.2 مليون دينار تونسي) الذي لا يزال يعصف بالحسابات الخارجية. والأكثر إثارة للدهشة أن الصادرات من القطاع الزراعي - وهو المجال الذي تتمتع فيه تونس بإمكانيات حقيقية - انخفضت بنسبة 22.6% في عام واحد. وهذا يعني من الناحية العملية أننا نستورد المزيد من السلع المصنعة والطاقة وحتى المواد الغذائية، بينما تفقد المنتجات التونسية قدرتها التنافسية.

باختصار، تونس لا تبيع بما فيه الكفاية، وتشتري أكثر من اللازم، وليس لديها خطة تصنيع ولا سياسة تجارية جديرة بالاسم. فالبلاد تعاني من عجز هيكلي - والسياسيون يغضون الطرف عن ذلك.

وماذا تقول السلطات؟

وعلى الجانب الحكومي، لا يزال الخطاب الحكومي غامضاً، بل وأحياناً تعجيزياً. فمنذ انقلابه في يوليو 2021، لم يتحدث قيس سعيد إلا قليلاً جداً عن القضايا الاقتصادية. وعندما يتحدث عنها، فغالبًا ما يكون ذلك لتعيين أكباش فداء ("الخونة"، "الفاسدون"، "المضاربون") أو لطرح شعارات رمزية - مثل الشعار الشهير الآن "البناء والتشييد"، الذي من المفترض أن يجسد مرحلة إعادة التأسيس الوطني.

لكن هذا الشعار، الذي يتم ترديده في الخطابات الرسمية، يتعارض بشكل قاسٍ مع الواقع على الأرض: لا توجد مشاريع مهيكلة، ولا استثمارات عامة ضخمة، ولا رؤية واضحة لإحياء النسيج الصناعي. هناك حديث عن البناء، ولكن لا شيء يُبنى. نحن نعلن عن نهضة بينما المؤشرات تتراجع. إن التناقض صارخ: فكلما كان الخطاب يهدف إلى التعبئة، كلما كشفت الحقائق عن تقاعس وتشرذم الدولة والركود الاقتصادي.

يستند خطاب النظام إلى وعد ضمني: إعادة السلطة إلى الشعب من أجل إعادة الاقتصاد إلى مساره الصحيح. ولكن بعد أربع سنوات من التحول الاستبدادي، لم يتم إجراء أي إصلاح هيكلي: لا إصلاح ضريبي، ولا إصلاح للخدمة المدنية، ولا تعزيز حقيقي للاستثمار العام أو الخاص. والأسوأ من ذلك أن العلاقات مع المانحين الدوليين متوقفة. ولا يزال صندوق النقد الدولي في طريق مسدود والحكومة تزيد من مناشداتها للمغتربين لجمع الأموال. ويجري بيع الوعود حيث ينبغي أن تكون هناك رؤية.

أزمة اقتصادية أم أزمة نظام؟

سيكون من الخطأ فصل هذه الأرقام عن السياق السياسي. فالعجز التجاري هنا ليس مجرد إحصائية اقتصادية كلية: إنه يكشف عن نظام مغلق، حيث تم حل الضوابط والتوازنات، وحيث تم اختزال الحكومة في إدارة مطيعة وحيث يتم اتخاذ القرارات الاقتصادية في كنف السرية. لقد اختار قيس سعيد شكلاً من أشكال الحكم الانفرادي والعمودي الذي لا يثق بالنخب الاقتصادية والمؤسسات الدولية على حد سواء. لكن هذا الموقف أدى إلى حالة من الشلل: فلا أحد يتخذ القرارات، ولا أحد يستثمر، ولا أحد يتوقع.

والحقيقة هي أن الدولة التونسية تعمل الآن في وضع إدارة الأزمة بشكل دائم، دون أفق. أما الاقتصاد، من جانبه، فيستجيب لهذا الاندفاع غير المتوقع باندفاع متهور: الاستيراد لتلبية الطلب المحلي، وفك الارتباط بالقطاعات الإنتاجية، وتهميش صغار المنتجين الذين لم يعد لديهم دعم شعبي.

ما يعنيه ذلك

يمثل العجز التجاري الآخذ في الاتساع في عام 2025 نظامًا في أزمة. وطالما لم تستعيد تونس إطارًا سياسيًا ديمقراطيًا واضحًا قادرًا على إعادة الانخراط مع شركاء ذوي مصداقية، فلن يكون التعافي الاقتصادي ممكنًا. الميزان التجاري غير متوازن لأن البلد غير متوازن. يمكن رؤية انعدام الثقة - من جانب المستثمرين والشركاء والمواطنين أنفسهم - في كل دينار ضاع.

شارك هذه المقالة:

مقالات ذات صلة

العودة إلى الأعلى