tag -->

بن قردان: اثنا عشر قتيلاً واثنان مفقودان وشباب بلا آفاق

تعرب للجنة احترام الحريات وحقوق الإنسان في تونس» (CRLDHT) عن حزنها العميق وتضامنها مع أسر وأهالي بن قردان وجرجيس الذين تضرروا من حادث غرق قارب كان يقل خمسة عشر شاباً تونسياً كانوا يحاولون الوصول إلى إيطاليا.

ووفقًا لآخر حصيلة أعلنت عنها لادارةة العامة للحرس الوطني، تم انتشال اثني عشر جثة، ولا يزال شخصان في عداد المفقودين، ولم ينجُ سوى شخص واحد. وكان أربعة عشر شخصًا من أصل الخمسة عشر الذين كانوا على متن القارب من بن قردان، وشخص واحد من جرجيس. وكان القارب قد غادر الساحل في 19 أوت، وغرق على بعد حوالي 14 ميلًا بحريًا قبالة سواحل جرجيس.

تقدم "اللجنة" CRLDHT تعازيا لأسر الضحايا وتشارك قلق أولئك الذين ما زالوا ينتظرون معرفة مصير أطفالهم. وتطالب بمواصلة عمليات البحث دون انقطاع حتى يتم العثور على آخر مفقودين.

لكن هذه المأساة لا يمكن اختزالها في مجرد حادثة أخرى من حوادث الهجرة التي تُسمى «غير النظامية».

لا يقتصر السؤال على كيفية وفاة هؤلاء الشباب فحسب، بل يتعلق أيضًا بفهم الأسباب التي دفعت شبابًا — يتراوح عمر العديد منهم بين 18 و25 عامًا — إلى الاعتقاد بأنه لم يتبقَّ لهم أي أمل سوى الإبحار مخاطرين بحياتهم.

بن قردان: أمن بلا تنمية

لفهم ما يجري اليوم في بن قردان، لا بد من العودة إلى التحولات العميقة التي شهدتها هذه المنطقة الحدودية خلال العقد الماضي.

كانت مكافحة الإرهاب وتأمين الحدود التونسية-الليبية من الضرورات التي لا جدال فيها، لا سيما بعد أحداث مارس 2016: الاشتباكات التي وقعت في العويجة في 2 مارس، ثم الهجوم واسع النطاق الذي شنه تنظيم «داعش» على بن قردان في 7 مارس 2016.

وقد لعب سكان بن قردان آنذاك، إلى جانب القوات العسكرية والأمنية، دوراً حاسماً في مقاومة المهاجمين.

لكن الحلول التي قُدمت لمشاكل المنطقة ظلت تقتصر بشكل أساسي على الجانب الأمني، دون وجود سياسة اقتصادية واجتماعية حقيقية ترقى إلى مستوى احتياجاتها.

وقد أثر بناء وتعزيز الجهاز العسكري على الحدود، وتكثيف عمليات التفتيش، والقيود المفروضة على التبادل التجاري، تأثيرًا مباشرًا على الاقتصاد العابر للحدود، بما في ذلك التجارة غير الرسمية التي تشكل منذ فترة طويلة مصدر دخل أساسي للعديد من الأسر.

إن تقييد هذا الاقتصاد دون بناء بدائل موثوقة في الوقت نفسه كان يعني تعريض شريحة متزايدة من السكان للبطالة، وعدم الاستقرار، وانعدام الآفاق المستقبلية.

ويضاف إلى ذلك الصعوبات المستمرة المرتبطة بمعبر رأس جدير الحدودي، الذي يُعد شريانًا اقتصاديًا واجتماعيًا حقيقيًّا لمدينة بن قردان. فقد أدى الإغلاق وإعادة الفتح والقيود وصعوبات العبور والقرارات المتقلبة إلى زيادة هشاشة الأنشطة التي تعتمد عليها العديد من الأسر.

إن مراقبة المغادرين لا يمكن أن تحل محل واجب الإنقاذ

وتثير هذه المأساة تساؤلات أيضًا حول سياسات الهجرة التي تنفذها تونس، لا سيما في إطار تعاونها مع الاتحاد الأوروبي.

منذ عدة سنوات، تُخصص موارد كبيرة لمراقبة السواحل، ورصد مناطق الانطلاق، واعتراض الزوارق. وتهدف هذه الإجراءات في المقام الأول إلى منع عمليات الانطلاق.

ومع ذلك، تذكّر "اللجنة" (CRLDHT) بأن حماية الأرواح البشرية وعمليات الإنقاذ في البحر يجب أن تشكل أولوية قصوى.

كيف يمكن تفسير تخصيص موارد كبيرة لمراقبة السواحل ومنع المغادرة واعتراض القوارب، في حين أن قاربًا يحمل خمسة عشر شخصًا قد يختفي، وأن أحد الناجين قد يبقى في البحر قرابة يومين قبل أن تكتشفه سفينة تجارية؟

إن مأساة بن قردان تعيد حتماً إلى الأذهان ذكرى حادثة غرق السفينة في جرجيس في سبتمبر 2022. وبعد أربع سنوات، لا تزال العائلات في انتظار معرفة الحقيقة الكاملة حول اختفاء القارب، وظروف عمليات البحث، وكيفية التعامل مع رفات الضحايا. وتحدث اليوم مأساة جديدة في نفس المنطقة البحرية، مما يطرح من جديد السؤال حول الدروس التي تم استخلاصها فعليًا من حادثة زارزيس، وفعالية آليات البحث والإنقاذ.

لكن هذه المسؤولية لا تقتصر على الحدود التونسية. فالسياسات الأوروبية المتعلقة بالهجرة تتحمل هي الأخرى جزءًا من المسؤولية عن المآسي وحالات الاختفاء في البحر الأبيض المتوسط. ولا يمكن أن تظل مكافحة الهجرة غير الشرعية لها الأسبقية على حماية الأرواح، في حين يموت الآلاف أو يختفون في البحر ، وتبقى عائلاتهم أحيانًا لسنوات دون أن تعرف مصيرهم.

الصمت السياسي ورد فعل الشرطة

وحتى الآن، لم تصدر أي تصريحات عامة ذات أهمية من جانب الحكومة أو رئاسة الجمهورية بشأن هذه المأساة وأسبابها والوضع في بن قردان.

يصدر الحرس الوطني بيانات بشأن عمليات البحث تشير إلى أنها تخضع للمتابعة على أعلى المستويات. لكن ذلك لا يعوض عن إصدار بيان سياسي موجه إلى العائلات والجمهور.

يتناقض هذا الصمت مع الرد على المظاهرات التي اندلعت في بن قردان. على مدى ليلتين، نزل السكان والشباب إلى الشوارع. وقد عبرت تحركاتهم في البداية عن القلق إزاء اختفاء أحبائهم، ثم بشكل أوسع عن البطالة، والصعوبات التي تواجهها رأس جدير، ومشاريع التنمية المتوقفة، وانعدام الآفاق المستقبلية.

في مواجهة هذا الغضب، تدخلت قوات الأمن، وهاجمت المتظاهرين واستخدمت الغاز المسيل للدموع.

التناقض صارخ: صمت سياسي إزاء المأساة وأسبابها، وتدخل من قبل الشرطة عندما تنفجر الغضب في الشوارع.

تحديد المسؤوليات

إن التحقيق القضائي الذي تم فتحه أمر لا غنى عنه، لكنه لا يمكن أن يقتصر على منظمي الرحلة والمهربين المحتملين. بل يجب أن يحدد أيضًا ملابسات غرق السفينة، والتسلسل الزمني للإنذارات وعمليات البحث، ووسائل المراقبة والإنقاذ التي تم حشدها، والمسؤوليات المحتملة، بما في ذلك المسؤوليات المؤسسية. كما يجب نشر تقرير عن التدابير التي اتُخذت منذ حادثة غرق جرجيس عام 2022. فالأسر لها الحق في معرفة الحقيقة.

وفي الوقت نفسه، تدعو " اللجنة"(CRLDHT) إلى إجراء مراجعة شاملة للسياسات المتعلقة بالمناطق الحدودية، ولا سيما بن قردان ورأس جدير، وكذلك للسياسات التونسية والأوروبية المتعلقة بالهجرة، حتى تتوفر الموارد اللازمة لإنقاذ الأرواح وحمايتها.  

الضحايا الاثني عشر ليسوا مجرد «مهاجرين غير شرعيين». إنهم شبان تونسيون كانوا يبحثون عن فرصة لحياة مختلفة. فعندما يتقلص النشاط التجاري عبر الحدود دون وجود بديل، وتتراكم البطالة والقيود، وتغلق كل الآفاق، يظهر البحر في النهاية كمنفذ، حتى لو كان ذلك على حساب تحوله إلى قبر.

يبقى سؤال واحد: كيف وصل الأمر إلى أن يرى شباب بن قردان أملاً أكبر في قارب هش وفي البحر الأبيض المتوسط أكثر مما يرونه في بلدهم؟

لجنة احترام الحريات وحقوق الإنسان في تونس (CRLDHT)
24 أوت 2026

شارك هذه المقالة:

مقالات ذات صلة

العودة إلى الأعلى