tag -->

قضية عز الدين باش شاويش: الدولة التي يحكمها الخوف

إن القضية المعروفة باسم «أرض قرطاج» تتجاوز اليوم بكثير القضية الشخصية لإز الدين باش شاوش. فإلى جانب المصير القضائي لرجل يبلغ من العمر 88 عامًا، وهو وزير ثقافة سابق ومؤرخ وعالم آثار ذو شهرة عالمية، تسلط هذه القضية الضوء على العديد من أوجه القصور التي تثير تساؤلات عميقة حول سير العمل في القضاء التونسي، وبشكل أعم، حول تطور سيادة القانون على مدى السنوات الماضية.

ولا يعني ذلك بأي حال من الأحوال الحكم مسبقاً على ذنب أو براءة الأشخاص المتهمين. فهذه المسؤولية تقع حصراً على عاتق المحاكم الابتدائية. في المقابل، من المشروع التساؤل عن الظروف التي أُقيمت فيها الدعاوى، وعن اللجوء إلى الحبس الاحتياطي، وعن تفسير القانون الجنائي، وعن العواقب التي تترتب على مثل هذه الممارسة على الإدارة التونسية برمتها.

احتجاز مؤقت يبدو وكأنه عقوبة مسبقة

التساؤل الأول يتعلق بإصدار أمر الحبس الاحتياطي بحق رجل يبلغ من العمر 88 عامًا، يعاني من مرض خطير، ويعتمد على جهاز التنفس الصناعي بشكل دائم، وغير قادر على التنقل بمفرده.

في جميع الديمقراطيات التي تحترم الحقوق الأساسية، يظل الحبس الاحتياطي إجراءً استثنائياً. ولا يُسمح به إلا عندما يستجيب لضرورة مثبتة بوضوح: منع الهروب، أو تجنب الضغط على الشهود، أو منع إتلاف الأدلة، أو وقف اضطراب خطير بشكل خاص.

إلا أنه لا يبدو أن أيًا من هذه المعايير قد استوفي فعليًّا في هذه القضية. تعود الوقائع إلى ما يزيد عن عقد من الزمن. وقد تم تحديد هوية الأطراف المعنية منذ فترة طويلة. كما أن الوثائق الإدارية موجودة في حوزة القضاء. أما بالنسبة لخطر هروب رجل طريح الفراش ويتلقى رعاية طبية، فإنه يندرج في نطاق الافتراض النظري أكثر منه في نطاق التقييم الموضوعي.

إن الإفراج عنه بعد أيام قليلة فقط من احتجازه يعزز هذا التساؤل. فإذا كانت حالته الصحية تبرر في النهاية اتخاذ إجراء الإفراج، فلماذا كان اعتقاله ضروريًا؟ هذا التناقض يغذي الشكوك حول مدى الضرورة الفعلية لحرمانه من الحرية.

المادة 96: تجريم الدعوى العامة

لفهم هذه القضية، لا بد من الرجوع إلى المادة 96 من القانون الجنائي التونسي، وهي مادة رمزية في مكافحة الفساد، لكنها في الوقت نفسه واحدة من أكثر المواد إثارة للجدل في القانون الجنائي التونسي المعاصر.

الهدف الذي يسعى إليه هذا المادة مشروع تمامًا. فهو يهدف إلى معاقبة الموظفين العموميين الذين يستغلون مناصبهم للحصول على مصلحة غير مشروعة أو لإلحاق ضرر متعمد بالإدارة. وفي بلد عانى من تجاوزات النظام السابق، كان مثل هذا الإجراء ضروريًا لحماية الأموال العامة واستعادة الثقة في المؤسسات.

لكن التجربة كشفت تدريجيًا عن الآثار السلبية لتفسير هذا النص تفسيرًا موسعًا.

على مدى سنوات عديدة، طُبقت المادة 96 في ظروف أدت إلى تلاشي الحدود الفاصلة بين الخطأ الإداري وخطأ التقدير والجريمة الجنائية تدريجيًّا.

إلا أن هذه المفاهيم تستند إلى منطقيات قانونية مختلفة تمامًا.

قد يكون قرار إداري ما موضع جدل. وقد يكون موضع اعتراض من الناحية الاقتصادية. بل وقد يتسبب في خسارة مالية.

لكن هذا لا يعني بالضرورة أن ذلك ناجم عن نية احتيالية.

ليس الغرض من القانون الجنائي معاقبة الأخطاء الإدارية أو الخيارات الإدارية المثيرة للجدل. بل إنه يعاقب على السلوكيات المتعمدة التي تنطوي على الاحتيال أو الفساد أو السعي وراء مصلحة شخصية.

وقد أدى هذا الالتباس إلى ظهور ظاهرة أصبحت معروفة جيدًا في تونس الآن، وهي: «الخوف من التوقيع».

على مدى أكثر من عقد من الزمن، بدأ الوزراء، وأمناء الدولة، والمحافظون، والرؤساء التنفيذيون، ورؤساء البلديات، والمهندسون، والمديرون العامون، ورؤساء الهيئات المحلية، وكبار الموظفين الحكوميين يترددون تدريجيًا في ممارسة مسؤولياتهم على أكمل وجه.

لماذا نتخذ قرارًا اليوم إذا كان من الممكن إعادة تفسيره بعد عشر أو خمس عشرة سنة، في ضوء خبرة مختلفة، أو تغيير في السياسة العامة، أو سياق سياسي جديد؟

وقد أثرت هذه الحالة من عدم اليقين القانوني تأثيراً عميقاً على سير عمل الإدارة.

تأخرت بعض الاستثمارات. وظلت بعض العقود العامة معلقة. وتم تأجيل بعض مشاريع البنية التحتية. كما تم إحالة القرارات باستمرار من مكتب إلى آخر.

تدريجيًّا، ترسخت ثقافة حقيقية تتمثل في الامتناع الإداري، حيث يبدو التقاعس أقل خطورة من ممارسة المسؤوليات بشكل طبيعي.

ويُعد هذا الشلل أحد أكبر التكاليف المترتبة على الإفراط في استخدام القانون الجنائي في الإدارة العامة.

وإدراكاً لهذه التجاوزات، قام المشرع التونسي بمراجعة المادة 96. وقد خففت هذه الإصلاحات العقوبات المقررة، والأهم من ذلك، عززت المتطلبات المتعلقة بعنصر القصد. ومن الآن فصاعدًا، لا يتطلب الحكم بالإدانة مجرد وقوع ضرر للإدارة فحسب، بل يتطلب أيضًا إثبات أن المسؤول العام قد استغل منصبه عمدًا للحصول على مصلحة غير مشروعة أو لإلحاق ضرر.

يعكس هذا التطور فكرة أساسية، وهي أن خطأً إدارياً، أو تقديراً مثيراً للجدل، أو قراراً إدارياً مطعوناً فيه، لا تكفي، في حد ذاتها، لتكوين جريمة جنائية.

قضية باش شاوش: مثال على التجاوزات التي تنطوي عليها تجريم الإجراءات الإدارية

وهذا بالذات هو المجال الذي تثير فيه قضية «باش شاوش» العديد من التساؤلات.

تتعلق التهم الموجهة بعملية عقارية معقدة تندرج في إطار سلسلة من المداولات البلدية والقرارات الإدارية والإجراءات الرقابية التي امتدت على مدى عدة عقود.

ووفقًا لعدد من القانونيين، ومنهم القاضي الإداري السابق أحمد صواب، فإن الوثيقة الموقعة في عام 2012 لم تكن قرارًا مستقلاً، بل كانت تنفيذًا لالتزامات إدارية تم التعهد بها قبل عدة سنوات وحظيت بموافقة السلطات المختصة بشكل قانوني.

وإذا ما تم اعتماد هذا التحليل، فستطرح مسألة جوهرية: هل يمكن تحميل المسؤولية الجنائية لمن لم يفعل سوى تنفيذ قرار إداري أصبح نهائيًا؟

بل وأكثر من ذلك، أين يكمن العنصر القصدّي الذي يشترطه المادة 96؟

لا تشير الملفات إلى أي حالة من حالات الإثراء الشخصي، ولا إلى اختلاس أموال، ولا إلى وجود نظام فساد منظم.

يبدو أن النقاش يدور أساسًا حول تقييم قيمة قطعة أرض وتفسير قانوني لإجراء إداري قديم.

إلا أن الاختلاف بين الخبراء حول قيمة أحد الأصول، مهما كان حجمه، لا يمكن أن يؤدي، بمفرده، إلى تحويل قرار إداري إلى جريمة جنائية.

ومن شأن هذا التطور أن يجعل القاضي الجنائي الحكم الدائم في الإجراءات الإدارية، مما قد يؤدي إلى الطعن، بعد مرور عدة سنوات على اعتمادها، في قرارات اتُخذت بحسن نية في إطار إجراءات إدارية سليمة.

اختيار المسؤوليات الذي يثير التساؤلات

تكمن إحدى نقاط الضعف الأخرى في ملف القضية في تحديد هوية المتهمين.

إذا كان السبب في المخالفة يكمن في المداولات البلدية التي أجازت العملية، فلماذا تقتصر الإجراءات القضائية على المسؤولين الذين نفذوها بعد عدة سنوات؟

وعلى العكس من ذلك، إذا كان الإجراء الحاسم هو ذلك الذي صدر في عام 2012، فكيف يمكن تجاهل المصادقات الإدارية العديدة التي جرت قبله؟

لا شك أن هذا الاختيار يثير شعوراً بعدم الاتساق ويؤجج التساؤلات حول المعايير التي استند إليها اتخاذ إجراءات الملاحقة القضائية.

تأتي قضية «باش شاوش» في سياق أوسع يتسم بتزايد الملاحقات القضائية التي تستهدف الصحفيين والمحامين والقضاة والمسؤولين السياسيين ونشطاء النقابات ونشطاء المجتمع المدني، فضلاً عن الوزراء السابقين وكبار مسؤولي الدولة.

وإذا ما نظرنا إلى كل قضية من هذه القضايا على حدة، فمن الطبيعي أن تخضع لتقدير المحاكم السيادي.

لكن تراكمها أدى في النهاية إلى إثارة قلق مشروع.

عندما يصبح القانون الجنائي الأداة الرئيسية لتقييم القرارات الإدارية السابقة، وعندما يصبح الحبس الاحتياطي أمراً مألوفاً، وعندما يُلاحق المسؤولون العموميون قضائياً بعد عدة سنوات من انتهاء مهامهم بسبب خيارات اتُخذت في إطار مؤسسي جماعي، فإن ثقة المواطنين في نزاهة القضاء معرضة حتماً للتآكل.

وهذه الثقة هي الرصيد الأساسي لأي مؤسسة قضائية.

مطلب يتسم بالرقي والإنسانية

وأخيرًا، تذكرنا هذه القضية بأن احترام كرامة الإنسان يظل التزامًا يقع على عاتق كل سلطة قضائية.

تفرض «قواعد مانديلا» الصادرة عن الأمم المتحدة توفير حماية خاصة للمسنين أو المصابين بأمراض خطيرة المحرومين من حريتهم.

ستبقى صورة وزير سابق، يبلغ من العمر 88 عامًا، وهو يُسحب من سريره الطبي قبل أن يُفرج عنه سريعًا، واحدة من أبرز الرموز في هذه القضية.

لا شك أن العدالة تُقاس بقدرتها على ملاحقة مرتكبي الجرائم، ولكنها تُقاس أيضًا بقدرتها على الحفاظ على كرامة من تُلاحقهم.

قضية عز الدين باش شاوش لم تعد اليوم مجرد نزاع على ملكية الأراضي. بل أصبحت اختبارًا للعدالة التونسية.

تعد مكافحة الفساد مطلبًا ديمقراطيًا لا جدال فيه. لكنها لا يجوز أن تؤدي إلى تجريم الإجراءات الإدارية، أو إلى فرض افتراض دائم بالذنب على المسؤولين العموميين، أو إلى جعل الحبس الاحتياطي أداة عادية في الإجراءات الجنائية.

لا تكمن القوة الحقيقية لدولة القانون في عدد أوامر الحبس الاحتياطي التي تصدرها، بل في قدرتها على التمييز بين الاحتيال والخطأ، وبين الفساد والتقدير الإداري، وبين المسؤولية الجنائية والمسؤولية السياسية أو الإدارية.

بهذا الشرط فقط ستحافظ العدالة على ما يشكل سلطتها الحقيقية: ثقة المواطنين، القائمة على الاستقلالية والتناسب والاحترام المطلق للحقوق الأساسية.

شارك هذه المقالة:

مقالات ذات صلة

العودة إلى الأعلى