tag -->

من خلال قضية سهام بن سدرين، يتم إدانة العدالة الانتقالية.

بفرض عقوبة السجن لمدة 25 عامًا على الرئيسة السابقة لـ«هيئة الحقيقة والكرامة» بسبب أفعال ارتكبتها في إطار ممارسة ولاية قانونية، تخطو سلطة قيس سعيد خطوة جديدة في ثورتها المضادة ومحاولتها لتصفية مكاسب الثورة التونسية.

تدين لجنة احترام الحريات وحقوق الإنسان في تونس (CRLDHT) بأشد العبارات الحكم الذي أصدرته، في ليلة 25 إلى 26 جوان 2026، الدائرة الجنائية المختصة في قضايا الفساد المالي التابعة للقطب القضائي الاقتصادي والمالي بمحكمة تونس الابتدائية.

وبموجب هذا القرار، حُكم على السيدة سهام بن سدرين، الرئيسة السابقة لهيئة الحقيقة والكرامة (IVD)، بالسجن لمدة خمسة وعشرين عامًا في قضيتين مرتبطتين مباشرة بممارسة المهام التي عهد بها إليها القانون بصفتها رئيسة الهيئة المكلفة بتنفيذ العدالة الانتقالية.

تبلغ السيدة بن سيدرين 75 عاماً، وبعد أن خضعت بالفعل لأكثر من ستة أشهر من الاحتجاز التعسفي، وإضراب طويل عن الطعام أدى إلى تدهور حالتها الصحية بشكل خطير، ودخولها المستشفى لتلقي العناية التنفسية، تُفرض عليها عقوبة تعادل، بالنظر إلى سنها وحالتها البدنية، في الواقع حكماً يقضي بأن تنهي حياتها في السجن.

يمثل هذا القرار منعطفاً بالغ الخطورة. فهو يجرم ممارسة ولاية قانونية عهد بها المشرع إلى مؤسسة أنشئت من أجل كشف انتهاكات الماضي، وتحقيق العدالة للضحايا، ومكافحة الإفلات من العقاب. ومن خلال قضية سهام بن سيدرين، أصبح مسار العدالة الانتقالية برمته اليوم في قفص الاتهام.

حكم يتسم بوحشية بالغة

تتعلق القضية الأولى باتفاقية التحكيم والتوفيق المبرمة بين هيئة الحقيقة والكرامة ورجل الأعمال سليم شيبوب، في إطار الآلية المنصوص عليها في القانون الأساسي بشأن العدالة الانتقالية.

أصدرت المحكمة الحكم التالي:

  • حُكم على سهام بن سدرين بالسجن لمدة خمس سنوات؛
  • الحكم على المحامي خالد كريشي، الرئيس السابق للجنة التحكيم والمصالحة التابعة للاتحاد الدولي للديون (IVD)، بالسجن لمدة خمس سنوات؛
  • مبروك كورشيد، وزير الأراضي الحكومية السابق، إلى السجن ست سنوات؛
  • حُكم على سليم شيبوب بالسجن خمس سنوات بتهمة التواطؤ.

كما فُرضت على المدانين غرامة فردية قدرها  دينار 1.776.170.000 دينار (أكثر من 525 مليون يورو)، بالإضافة إلى حكم بالتعويض التضامني عن المبلغ نفسه.

أما القضية الثانية فتتعلق بملف البنك الفرنسي-التونسي (BFT).

وقد حكمت المحكمة هناك على:

  • حُكم على سهام بن سدرين بالسجن لمدة خمس سنوات؛
  • الحكم على المحامي خالد كريشي بالسجن لمدة خمس سنوات؛
  • مبروك كورشيد إلى السجن لمدة ست سنوات؛
  • حُكم على عبد المجيد بودين بالسجن ست سنوات.

كما سيتعين على المدانين الأربعة دفع غرامة قدرها 16.985.774,003 (أكثر من 5 ملايين يورو) لكل منهم، وإعادة هذا المبلغ بشكل مشترك.

وأخيرًا، حكمت المحكمة على سم بن سدرين بخمسة عشر عامًا إضافية بتهمة التزوير وحيازة مستندات مزورة واستخدامها، وبذلك ارتفع مجموع عقوبتها إلى خمسة وعشرين عامًا من السجن.

وتتناقض الشدة الاستثنائية لهذه الأحكام مع طبيعة التهم الموجهة، التي ترتبط حصريًّا بممارسة مسؤوليات عامة في إطار مؤسسة أنشئت بموجب القانون.

محاكمة العدالة الانتقالية

وتتعلق الإجراءات القضائية المرفوعة حصريًّا بالقرارات التي اتُخذت في إطار ممارسة الولاية القانونية لهيئة الحقيقة والكرامة.

إن عمليات التحكيم والتسوية ليست مبادرات شخصية من جانب السيدة بن سيدرين، ولا هي إجراءات تفتقر إلى أساس قانوني. بل إنها تشكل آلية أنشأها صراحةً القانون الأساسي رقم 2013-53 المؤرخ 24 ديسمبر 2013 المتعلق بإقامة العدالة الانتقالية وتنظيمها، والذي يعهد الفصل التاسع منه (المواد من 45 إلى 50) إلى هيئة التحقيق المستقلة (IVD) بمهمة إدارة إجراءات التحكيم والتوفيق في قضايا الفساد المالي.

القرارات التي تُعتبر اليوم جرائم جنائية قد اتُخذت بشكل جماعي من قبل الهيئات المختصة في الهيئة، وفقاً للصلاحيات المحددة في المواد من 39 إلى 50 من القانون نفسه. ولا يمكن اعتبارها أفعالاً شخصية لرئيستها.

إن قيام السلطات بملاحقة المسؤولين عن «هيئة الحقيقة و الكرامة» (IVD) جنائياً لتطبيقه قانوناً أقرته برلمانا منتخبا ديمقراطياً، لا يقتصر على مجرد الطعن في بعض القرارات الإدارية فحسب، بل إنه يجرم ممارسة ولاية قانونية ويسعى إلى نزع الشرعية عن عملية العدالة الانتقالية برمتها.

ثورة مضادة منهجية

منذ 25 جويلية 2021، يدعي قيس سعيد أنه يريد «تصحيح مسار الثورة». لكن الحقائق تثبت العكس تمامًا.

نشهد منذ خمس سنوات حملة منهجية لتفكيك جميع مكاسب ثورة عام 2011: دستور عام 2014، والمؤسسات المستقلة، والمجلس الأعلى للقضاء، وحرية الصحافة، والتعددية السياسية، واستقلالية المجتمع المدني، واستقلال القضاء.

أصبحت العدالة الانتقالية أحد الأهداف الرئيسية لهذه الثورة المضادة.

تم حل هيئة شهداء وجرحى الثورة.

تم إلغاء صندوق «الكرامة»، الذي أنشئ بموجب المرسوم الحكومي رقم 2018-211 بهدف تمويل التعويضات المستحقة للضحايا، لصالح مؤسسة «فداء»، التي أُنشئت بموجب المرسوم القانوني رقم 2022-20، والتي تعمل تدريجياً على استبدال نهج المساعدة الذي يركز بشكل أساسي على القوات المسلحة وقوات الأمن بنهج قائم على حقوق الضحايا.

إن الدوائر الجنائية المتخصصة، التي أُنشئت بموجب القانون الأساسي رقم 2013-53 ونُظمت بموجب المرسوم الحكومي رقم 2014-2887 المؤرخ 8 آب/أغسطس 2014، قد جُردت تدريجياً من مضمونها. ونظراً لعدم وجود قضاة متخصصين، فإنها أصبحت اليوم في حالة «موت سريري»، ولا تزال مئات القضايا المتعلقة بانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان دون البت فيها.

لا يزال التقرير النهائي لـ«هيئة الحقيقة والكرامة»، الذي قُدم في ديسمبر 2018 ونُشر رسميًا في الجريدة الرسمية للجمهورية التونسية (العدد 46 الصادر في 9 يونيو 2020)، مهملًا، في حين أن تنفيذه يمثل التزامًا ينص عليه القانون.

تمثل هذا المحاكمة مرحلة جديدة في الثورة المضادة التي يقودها قيس سعيد. وهي ثورة مضادة لم تعد تكتفي بالسعي إلى الحكم بطريقة مختلفة فحسب، بل تسعى إلى محو حتى ذكرى الثورة والآليات التي وُضعت لمنع عودة الدكتاتورية.

حملة مضايقات قضائية

يأتي الحكم الصادر اليوم في إطار حملة مضايقات قضائية تُشن منذ عدة سنوات ضد سهام بن سدرين.

تم اعتقالها في اوت 2024، وظلت محتجزة لأكثر من ستة أشهر على الرغم من سنها وحالتها الصحية، مما دفعها إلى إضراب طويل عن الطعام استلزم نقلها إلى وحدة العناية المركزة، ولم تستعد حريتها إلا بفضل تحرك وطني ودولي واسع النطاق.

وتستند الإجراءات القضائية المرفوعة ضدها بشكل أساسي إلى الفصل 96 من القانون الجنائي التونسي، وهي مادة تهدف إلى معاقبة إساءة استخدام السلطة التي يرتكبها موظف عام وتؤدي إلى إلحاق ضرر بالإدارة بهدف الحصول على منفعة غير مشروعة.

صُمم هذا البند ليكون أداة لمكافحة الفساد، إلا أنه يواجه اليوم انتقادات واسعة النطاق من قِبل القضاة والأكاديميين ومنظمات الدفاع عن حقوق الإنسان بسبب تفسيره الموسع بشكل خاص. فهو يسمح الآن بتحويل القرارات الإدارية أو التقديرات القانونية المتخذة في إطار الممارسة العادية للوظيفة العامة إلى جرائم جنائية.

وتستند مدة السجن الإضافية البالغة خمسة عشر عامًا التي حُكم بها على السيدة بن سدرين إلى جرائم التزوير وحيازة المستندات المزورة واستخدامها، التي اعتُبرت جرائم مترابطة بموجب الفصل 55 من قانون العقوبات، مما يرفع مجموع مدة العقوبة إلى خمسة وعشرين عامًا من السجن.

نظام قضائي خاضع للأوامر ينتهك الالتزامات الدولية لتونس

تأتي هذه الأحكام في سياق تدهور شديد لاستقلالية السلطة القضائية.

منذ حل المجلس الأعلى للقضاء بموجب المرسوم بقانون رقم 2022-11 المؤرخ 12 فبراير 2022، ثم اعتماد المرسوم بقانون رقم 2022-35 المؤرخ 1 يونيو 2022، الذي يجيز عزل القضاة بموجب مرسوم رئاسي بسيط دون ضمانات تأديبية فعالة، تغيرت ظروف ممارسة القضاء في تونس تغيراً جذرياً.

في مثل هذا السياق، من المشروع التساؤل عن قدرة المحاكم على إصدار أحكامها باستقلالية تامة في قضايا تنطوي على رهان سياسي واضح إلى هذا الحد.

عشية المحاكمة، كان المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بتعزيز الحقيقة والعدالة والتعويض وضمانات عدم التكرار، برنارد دوهايم، قد ندد علنًا بهذه الملاحقات القضائية، معتبرًا أنها تعكس إرادة سياسية لإنهاء عملية العدالة الانتقالية عبر المسار القضائي.

يبدو أن هذا القرار يتعارض مع الالتزامات الدولية التي تعهدت بها تونس بمحض إرادتها.

وهي تثير تساؤلات جدية في ضوء المادة 14 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، التي تضمن الحق في محاكمة عادلة أمام محكمة مستقلة ونزيهة، وكذلك المادة 7 من الميثاق الأفريقي لحقوق الإنسان والشعوب.

كما أنها تتعارض مع المبادئ الأساسية للأمم المتحدة المتعلقة باستقلال القضاء والمعايير الدولية التي تحكم عمليات العدالة الانتقالية.

إن اللجنة من أجل احترام الحريات و حقوق الإنسان في تونس:

  • تدين بأشد العبارات استغلال القضاء لخدمة مشروع سياسي يهدف إلى القضاء على العدالة الانتقالية؛
  • تعرب عن تضامنها الكامل مع سهام بن سدرين، والمحامي خالد كريشي، والمحامي كورشيد مبروك، وجميع الأشخاص الذين يُلاحقون قضائيًا لمشاركتهم في تنفيذ العدالة الانتقالية؛
  • يُذكّر بأن العدالة الانتقالية تظل التزاماً قانونياً يقع على عاتق الدولة التونسية، وأنه لا يمكن لأي تغيير سياسي أن يلغي حقوق الضحايا في معرفة الحقيقة، وتحقيق العدالة، والحصول على التعويض، وضمانات عدم تكرار ما حدث؛
  • يدعو السلطات التونسية إلى وضع حد لتجريم العاملين في مجال العدالة الانتقالية، وإلى احترام التزاماتها الدستورية والدولية؛
  • يدعو الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والاتحاد الأفريقي واللجنة الأفريقية لحقوق الإنسان والشعوب، وكذلك جميع شركاء تونس، إلى إدانة هذه المرحلة الجديدة من الانزلاق نحو الاستبداد بشكل لا لبس فيه، والمطالبة باحترام سيادة القانون.

باريس، 26 جوان 2026

شارك هذه المقالة:

مقالات ذات صلة

العودة إلى الأعلى